تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤

عيسى عليه السّلام من المفضّلين ولإدلاله سلَّم على نفسه فقال : « والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم ابعث حيّا » ( 1 ) وهذا انبساط منه لما شاهد منه من اللَّطف في مقام الأنس ، وأمّا يحيى بن زكريّا فإنّه أقيم مقام الهيبة والحياء فلم ينطق حتّى سلَّم عليه خالقه فقال : « وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيّا » ( 2 ) وانظر كيف احتمل لإخوة يوسف ما فعلوا بيوسف وقد قال بعض العلماء : قد عدّدت من أوّل قوله تعالى : « إذا قالوا ليوسف وأخوه أحبّ إلى أبينا منّا » ( 3 ) إلى رأس العشرين آية من إخباره تعالى عن زهدهم فيه نيّفا وأربعين خطيئة بعضها أكبر من بعض وقد يجتمع في الكلمة الواحدة الثلاث والأربع ، فغفر لهم وعفا عنهم ولم يحتمل لعزير مسئلة واحدة سأل عنها في القدر حتّى قيل لئن عاد محي عن ديوان النبوّة ، وكذلك بلعام بن باعوراء من أكابر العلماء فأكل الدّنيا بالدّين فلم يحتمل له ذلك ، وكان آصف من المسرفين وكانت معصيته في الجوارح فعفا عنه ، وقد روي أنّ اللَّه تعالى أوحى إلى سليمان عليه السّلام يا رأس العابدين ويا موضح محجّة الزّاهدين إلى كم يعصيني ابن خالتك آصف وأنا أحلم عليه مرّة بعد مرّة فوعزّتي وجلالي لئن أخذته غضبة من غضباني عليه لأتركنّه مثلة لمن معه ونكالا لمن بعده ، فلمّا دخل آصف على سليمان أخبره بما أوحى اللَّه تعالى إليه فخرج حتّى علا كثيبا من رمل ، ثمّ رفع رأسه ومدّ يديه إلى السماء ، وقال : إلهي وسيّدي أنت أنت وأنا أنا فكيف أتوب إن لم تتب عليّ ؟ وكيف أستعصم إن لم تعصمني ؟ أغثني وإلا لأعودنّ ولأعودنّ ولأعودنّ ، فأوحى اللَّه تعالى إليه أن قد صدقت يا آصف أنا أنا وأنت أنت استقبل التوبة إليّ فقد تبت عليك وأنا التوّاب الرّحيم ، وهذا كلام مدلّ به وهارب منه إليه وناظر به إليه . وفي الخبر إنّ اللَّه تعالى أوحى إلى عبد تداركه بعد أن أشفى على الهلكة : يا عبدي كم من ذنب واجهتني به غفرته لك قد أهلكت بدونه أمّة من الأمم . فهذه سنّته في عباده بالتفضيل والتقديم والتأخير على ما سبقت به مشيّته

هامش
( 1 ) مريم : 34 .
( 2 ) مريم : 15 .
( 3 ) يوسف : 8 .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 84 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري