وجه المعشوق في الدّنيا تتفاوت بأسباب أحدها جمال المعشوق ونقصانه فإنّ اللَّذّة في النظر إلى الأجمل أكمل لا محالة . والثاني كمال قوّة الحبّ والشّهوة والعشق فليست لذّة من اشتدّ عشقه كالتذاذ من ضعفت شهوته وحبّه . والثالث كمال الإدراك فليس التذاذه برؤية المعشوق في ظلمة أو من وراء ستر رقيق أو من بعد كالتذاذه بإدراكه على قرب من غير ستر وعند كمال الضّوء ولا إدراك لذّة المضاجعة مع ثوب حائل كإدراكها مع التجرّد . والرّابع اندفاع العوائق المشوشّة والآلام الشاغلة للقلب فليس التذاذ الصحيح الفارغ المتجرّد للنظر إلى المعشوق كالتذاذ الخائف المذعور أو المريض المتألَّم أو المشغول قلبه بمهمّ من المهمّات فقدّر عاشقا ضعيف العشق ينظر إلى وجه معشوقه من وراء ستر رقيق على بعد بحيث يمنع انكشاف كنه صورته في حالة اجتمع عليه عقارب وزنابير تؤذيه وتلدغه وتشغل قلبه فهو في هذه الحالة لا يخلو من لذّة مّا من مشاهدة معشوقه فلو طرأت على الفجأة حالة انهتك به الستر وأشرق به الضّوء واندفع عنه المؤذيات وبقي سليما فارغا وهجمت عليه الشهوة القويّة والعشق المفرط حتّى بلغ أقصى الغايات فانظر كيف تتضاعف اللَّذّة حتّى لا يبقى للأولى إليها نسبة يعتدّ بها ، وكذلك فافهم نسبة لذّة النظر إلى لذّة المعرفة فالستر الرّقيق مثال للبدن والاشتغال به ، والعقارب والزّنابير مثال للشهوات المسلَّطة على الإنسان من الجوع والعطش والغضب والغمّ والحزن ، وضعف الشهوة والحبّ مثال لقصور النّفس في الدّنيا ونقصانها عن الشوق إلى الملأ الأعلى والتفاتها إلى أسفل السافلين وهو مثل قصور الصّبي عن ملاحظة لذّة الرّئاسة والتفاته إلى اللَّعب بالعصفور ، فالعارف إن قويت في الدّنيا معرفته فلا يخلو عن هذه المشوّشات ولا يتصوّر أن يخلو عنها البتّة نعم قد تضعف هذه العوائق في بعض الأحوال ولا تدوم فلا جرم يلوح من جمال المعرفة ما يدهش العقل ويعظم لذّته بحيث يكاد القلب يتفطَّر لعظمته ولكن يكون ذلك كالبرق الخاطف وقلَّما يدوم بل يعرض من الشواغل والأفكار والخواطر ما يشوّشه وينغّصه وهذه الضرورة قائمة في هذه الحياة الفانية فلا تزال هذه اللَّذّة منغّصة إلى الموت وإنّما الحياة الطيّبة بعد الموت وإنّما العيش عيش الآخرة فإنّ « الدّار
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 40
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٤٠