على الرّئاسة وعلى المنكوح والمشروب جميعا فكذلك يكون في الآخرة قوم يؤثرون لذّة النظر إلى وجه اللَّه تعالى على نعيم الجنّة إذ يرجع نعيمها إلى المنكوح والمطعوم وهؤلاء بعينهم هم الَّذين حالهم في الدّنيا ما وصفنا من إيثار لذّة المعرفة والعلم والاطَّلاع على أسرار الرّبوبيّة على لذّة المنكوح والمشروب وسائر الخلق ، مشغولون به ، ولذلك لمّا قيل لرابعة : ما تقولين في الجنّة ؟ فقالت : الجار ، ثمّ الدّار . فبيّنت أنّه ليس في قلبها التفات إلى الجنّة بل إلى ربّ الجنّة فكلّ من لم يعرف اللَّه عزّ وجلّ في الدّنيا فلا يراه في الآخرة وكلّ من لم يجد لذّة المعرفة في الدّنيا فلا يجد لذّة النظر في الآخرة إذ ليس يستأنف لأحد في الآخرة ما لم يصحبه في الدّنيا فلا يحصد أحد إلا ما زرع ولا يحشر المرء إلا على ما مات عليه ولا يموت إلا على ما عاش عليه فما صحبه من المعرفة هو الَّذي يتنعّم به بعينه فقطَّ إلا أنّه ينقلب مشاهدة بكشف الغطاء فتتضاعف اللَّذّة به كما تتضاعف لذّة العاشق إذا استبدل بخيال صورة المعشوق رؤية صورته فإنّ ذلك هو منتهى لذّته وإنّما طيبة الجنّة أنّ لكلّ واحد فيها ما يشتهي فمن لا يشتهي إلا لقاء اللَّه عزّ وجلّ فلا لذّة له في غيره بل ربّما يتأذّى به فإذن نعيم الجنّة بقدر حبّ اللَّه تعالى وحبّ اللَّه تعالى بقدر معرفته فأصل السعادات هي المعرفة الَّتي عبّر الشرع عنها بالإيمان ، فإن قلت : فلذّة الرّؤية إن كانت لها نسبة إلى لذّة المعرفة فهي قليلة وإن كانت أضعافها لأنّ لذّة المعرفة في الدّنيا ضعيفة فتضاعفها إلى حدّ قريب لا ينتهي في القوّة إلى أن يستحقر في جنبه سائر لذّات الجنّة ، فاعلم أنّ هذا الاستحقار للذّة المعرفة مصدره الخلوّ عن المعرفة فمن خلا عن المعرفة كيف يدرك لذّتها وإن انطوى على معرفة ضعيفة وقلبه مشحون بعلائق الدّنيا فكيف يدرك لذّتها فللعارفين في معرفتهم وفكرتهم ومناجاتهم للَّه عزّ وجلّ لذّات لو عرضت عليهم الجنّة في الدّنيا بدلا عنها لم يستبدلوا بها لذّة الجنّة ثمّ هذه اللَّذّة مع كمالها لا نسبة لها أصلا إلى لذّة اللَّقاء والمشاهدة كما لا نسبة للذّة خيال المعشوق إلى رؤيته ولا للذّة استنشاق روائح الأطعمة الشهيّة إلى ذوقها ولا للذّة اللَّمس باليد إلى لذّة الوقاع وإظهار عظم التفاوت بينهما لا يمكن إلا بضرب مثال فنقول : لذّة النظر إلى
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 39
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٩