تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
فإنّه واقع بعد القيامة ووقت القيامة مجهول فعند ذلك يشتغل بصفائه ونقائه عن الكدورات حيث لا ترهق وجهه غبرة ولا قترة لأن يتجلَّى فيه الحقّ سبحانه وتعالى فيتجلَّى له تجلَّيا يكون انكشاف تجلَّيه بالإضافة إلى ما علمه كانكشاف تجلَّى المرآة بالإضافة إلى ما تخيّله وهذه المشاهدة والتجلَّي هي الَّتي تسمّى رؤية فإذن الرّؤية حقّ بشرط أن لا يفهم من الرّؤية استكمال الخيال في متخيّل متصوّر مخصوص بجهة ومكان فإنّ ذلك ممّا يتعالى عنه ربّ الأرباب علوّا كبيرا بل كما عرفته في الدّنيا معرفة حقيقيّة تامّة من غير تخيّل وتصوّر وتقدير شكل وصورة فتراه في الآخرة كذلك ، بل أقول : المعرفة الحاصلة في الدّنيا بعينها هي الَّتي تستكمل فتبلغ كمال الكشف والوضوح وتنقلب مشاهدة ولا يكون بين المشاهدة في الآخرة والمعلوم في الدّنيا اختلاف إلا من حيث زيادة الكشف والوضوح كما ضربنا المثال في استكمال الخيال بالرّؤية فإذا لم يكن في معرفة اللَّه إثبات صورة وجهة فلا يكون في استكمال تلك المعرفة بعينها وترقّيها في الوضوح إلى غاية الكشف أيضا جهة وصورة لأنّها هي بعينها لا تفترق منها إلا في زيادة الكشف كما أنّ الصورة المرئية هي المتخيّلة بعينها إلا في زيادة الكشف ، وعلى الجملة فاللَّه سبحانه بذاته وجميع صفاته كما وصفه في كتابه وأخبر عنه نبيّه منزّه مقدّس عن الشبه والمثل ومشاكلة رسوم الحدثان ، لا يشبه ذاته سائر الذّوات ولا صفاته جميع الصفات وأنّى يشبه ربّ أزليّ حيّ قيّوم أبديّ فرد وتر أحديّ لم يزل متّصفا بصفاته العليا متسمّيا بأسمائه الحسني إلها عالما قادرا مريدا سميعا بصيرا ومن أين يماثل مخلوقا عاجزا محدثا مكوّنا لم يكن في الأصل شيئا فخلقه بقدرته وأنشأه كما شاء بحكمته ، وأحدث فيه صفات ناقصة متزلزلة غير مستقيمة فوكَّل به أنواع الآفات وفنون النقائص والعاهات من البلايا المتنوّعة والفتن والمحن المتفنّنة كالجوع والعطش والغلق والشبق والحيرة والضجر والقلق والأدواء والأمراض والعلل والأسقام إلى ما لا يتناهى ثمّ أرهقه ورود مورد الممات وجرّعه مرارة كؤوس الوفاة . وجعله على أثر ذلك رهين الجدث والتراب إلى وقت العرض والحساب ، ثمّ يبعثه في يوم يكلّ اللَّسان عن وصف أحواله ، ويعجز