المشاهدة واللَّقاء في المعلومات الخارجة عن الخيال بل هذه الحياة حجاب عنها بالضرورة كحجاب الأجفان عن رؤية الأبصار والقول في سبب كونها حجابا يطول ولا يليق بهذا العلم ولذلك قال تعالى لموسى عليه السّلام : « لن تراني » ( 1 ) وقال تعالى : « لا تدركه الأبصار » ( 2 ) أي في الدّنيا . والصحيح أنّ النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم « ما رأى اللَّه عزّ وجلّ ليلة المعراج » [ 1 ] . أقول : بل التحقيق أنّه لا فرق في الرؤية بين الدّنيا والآخرة فكما أنّه لا يجوز رؤيته سبحانه في الدّنيا بالعين والبصر فكذلك لا يجوز رؤيته في الآخرة بالعين والبصر ، وكما أنّه يجوز رؤيته في الآخرة بالقلب والبصيرة لأهل البصائر أعني غاية الانكشاف والوضوح بحيث يتأدّى إلى المشاهدة واللَّقاء كذلك يجوز رؤيته في الدّنيا بهذا المعنى والحجاب بينه وبين خلقه ليس إلا الجهل وقلَّة المعرفة دون البدن ، فإنّ أولياء اللَّه يشاهدونه في الدّنيا في جميع أحوالهم ومتصرّفاتهم ليلهم ونهارهم كما قال تعالى : « والشهداء عند ربّهم » ( 3 ) وقال : « شهد اللَّه أنّه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم » ( 4 ) وقال : « إلا من شهد بالحقّ وهم يعلمون » ( 5 ) فسمّاهم شهداء لمشاهدتهم له في جميع أحوالهم كما ذكر بقوله : « فأينما تولَّوا فثمّ وجه اللَّه » ( 6 ) وقال : « هو الأوّل والآخر والظاهر والباطن وهو بكلّ شيء عليم » ( 7 ) وقال : « ما يكون من نجوى ثلاثة - الآية » ( 8 ) . وقال : « ونحن أقرب إليه من حبل الوريد » ( 9 ) فلمّا تحقّق أولياء اللَّه بمعاني هذه الآيات شاهدوه بأعين قلوبهم ، سئل أمير المؤمنين عليه السّلام « هل رأيت ربّك حين عبدته ؟ فقال : ويلك ما كنت أعبد ربّا لم أره ، قيل : وكيف رأيته ؟ قال : ويلك
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 35
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٥
هامش
( 1 ) الأعراف : 140 .
( 2 ) الانعام : 103 .
( 3 ) الحديد : 19 .
( 4 ) آل عمران : 16 .
( 5 ) الزخرف : 86 .
( 6 ) البقرة : 110 .
( 7 ) الحديد : 3 .
( 8 ) المجادلة : 8 .
( 9 ) ق : 16 .
[ 1 ] قال العراقي : هذا الذي صححه المصنف هو قول عائشة ففي الصحيحين أنها قالت « من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب » .