تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 348

مساهمون:

ص٣٤٨
قال أبو حامد : فهذه أهوال الصّراط وعظائمه وطوّل فيه فكرك فإنّ أسلم النّاس من أهوال القيامة من طال فكره فيها في الدّنيا فإنّ اللَّه لا يجمع على عبد خوفين ، فمن خاف هذه الأهوال في الدّنيا أمنها في الآخرة ولست أعني بالخوف رقّة كرقّة النساء تدمع عينك ويرقّ قلبك حال السماع ، ثمّ تنساه على القرب وتعود إلى لهوك ولعبك ، فما ذلك من الخوف في شيء ، بل من خاف شيئا هرب منه ومن رجا شيئا طلبه ، فلا ينجيك إلا خوف يمنعك عن معاصي اللَّه ويحثّك على طاعته وأبعد من رقّة النساء خوف الحمقى الَّذين إذا سمعوا الأهوال سبق ألسنتهم إلى الاستعاذة فقال أحدهم : أستعيذ باللَّه ، نعوذ باللَّه سلَّم سلَّم ، وهم مع ذلك مصرّون على المعاصي الَّتي هي سبب هلاكهم ، فإنّ الشيطان يضحك من استعاذتهم كما تضحك أنت على من يقصده سبع ضار في صحراء ووراءه حصن حصين فإذا رأى أنياب السبع وصولته من بعد قال بلسانه : أعوذ بهذا الحصن الحصين وأستعيذ بشدّة بنيانه وإحكام أركانه ، فيقول ذلك بلسانه وهو قاعد في مكانه ، فأنّى يغني ذلك عن السبع ؟ وكذلك أهوال الآخرة ليس لها حصن إلا قول لا إله إلا اللَّه صادقا ، ومعنى صدقه أن لا يكون لك مقصود سوى اللَّه ولا معبود سواه ومن اتّخذ إلهه هواه فهو بعيد عن الصّدق في توحيده وأمره مخطر في نفسه ، فإن عجزت عن ذلك كلَّه فكن محبّا لرسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم حريصا على تعظيم سنّته ومتشوّقا إلى مراعاة قلوب الصّالحين من أمّته ومتبرّكا بأدعيتهم ، فعساك تنال من شفاعته أو شفاعتهم فتنجو بالشفاعة إن كنت قليل البضاعة . * ( صفة الشفاعة ) * اعلم أنّه إذا حقّ دخول النّار على طوائف من المؤمنين فإنّ اللَّه تعالى بفضله يقبل منهم شفاعة الأنبياء والصدّيقين بل شفاعة العلماء والصّالحين وكلّ من له عند اللَّه تعالى جاه بحسن معاملته فإنّ له شفاعة في أهله وقرابته وأصدقائه ومعارفه فكن حريصا على أن تكسب لنفسك عند اللَّه رتبة الشفاعة وذلك بأن لا تحقّر آدميّا أصلا فإنّ اللَّه تعالى خبأ ولايته في عباده فلعلّ الَّذي تزدريه عينك هو ولي اللَّه
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 348 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري