قد أنشب الخصماء فيك مخالبهم فأحكموا في تلابيبك أيديهم وأنت مبهوت متحيّر من كثرتهم حتّى لم يبق في عمرك أحد عاملته على درهم أو جالسته في مجلس إلا وقد استحقّ عليك مظلمة بغيبة أو خيانة أو نظر بعين استحقار وقد ضعفت عن مقاومتهم ومددت عنق الرّجاء إلى سيّدك ومولاك لعلَّه يخلصك من أيديهم إذ قرع سمعك نداء الجبّار « اليوم تجزى كلُّ نفس بما كسبت لا ظلم اليوم » فعند ذلك ينخلع قلبك من الهيبة ، وتوقن نفسك بالبوار وتتذكَّر ما أنذرك اللَّه تعالى به على لسان رسوله حيث قال : « ولا تحسبنَّ الله غافلا عمّا يعمل الظالمون إنّما يؤخّرهم ليوم تشخص فيه الأبصار . مهطعين مقنعي رؤسهم لا يرتدُّ إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء ( 1 ) » فما أشدّ فرحك اليوم بتمضمضك بأعراض النّاس وتناولك أموالهم ، وما أشدّ حسرتك في ذلك إذا وقف بك على بساط العدل وشوفهت بخطاب السياسة وأنت مفلس فقير عاجز مهين لا تقدر على أن تردّ حقّا أو تظاهر عذرا فعند ذلك يؤخذ حسناتك الَّتي تعبت فيها عمرك وتنقل إلى خصمائك عوضا عن حقوقهم فقد روي عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « هل تدرون من المفلس ؟ قالوا : المفلس فينا يا رسول اللَّه من لا درهم له ولا متاع ، فقال : المفلس من أمّتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام ، ويأتي قد شتم هذا ، وقذف هذا ، وأكل مال هذا ، وسفك دم هذا وضرب هذا ، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته وإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثمّ طرح في النّار ( 2 ) » . أقول : وقد مرّ في صفة أهل المحشر حديث طويل من طريق الخاصّة في الخصماء وردّ المظالم وبيان ذلك مفصّلا . قال أبو حامد : فانظر إلى مصيبتك في مثل هذا اليوم إذ ليس تسلم لك حسنة من آفات الرّياء ومكائد الشيطان فإن سلمت حسنة واحدة في كلّ مدّة طويلة أبتدرك خصماؤك وأخذوها ولو أنّك حاسبت نفسك وأنت مواظب على صيام النهار
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 341
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٤١
هامش
( 1 ) إبراهيم : 42 و 43 .
( 2 ) أخرجه مسلم ج 8 ص 18 وقد تقدم غير مرة .