قد قرع سمعك النّداء إلى العرض فيكفيك تلك الرّوعة جزاء عن ذنوبك إذ يؤخذ بناصيتك فتقاد وفؤادك مضطرب ولبّك طائر وفرائصك مرتعدة وجوارحك مضطربة ولونك متغيّر ، والعالم عليك من شدّة الهول مظلم ، فقدّر نفسك وأنت بهذه الصفة تتخطَّى الرّقاب وتخرق الصفوف وتقاد كما يقاد الفرس المجنوب ، وقد رفعت الخلائق إليك أبصارهم فتوهّم نفسك في أيدي الموكَّلين بك على هذه الصفة انتهوا بك إلى عرش الرّحمن فرموك من أيديهم ويناديك اللَّه سبحانه بعظيم كلامه : يا ابن آدم ادن منّي فدنوت منه بقلب خافق محزون وجل ، وطرف خاشع ذليل ، وفؤاد منكسر ، وأعطيت كتابك الَّذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها فكم من فاحشة نسيتها فذكرتها وكم من طاعة غفلت عن آفاتها فانكشف لك عن مساويها ، فكم لك من خجلة وحيرة ، وكم لك من حصر وعيّ فليت شعري بأيّ قدم تقف بين يديه وبأيّ لسان تجيب وبأيّ قلب تعقل ما تقول ؟ ثمّ تفكَّر في عظيم حيائك إذا ذكَّرك ذنوبك شفاها إذ يقول : يا عبدي أما استحييت منّي فبارزتني بالقبيح واستحييت من خلقي فأظهرت لهم الجميل ؟ أكنت أهون عليك من سائر عبادي استخففت بنظري إليك فلم تكترث واستعظمت نظر غيري ألم أنعم عليك ؟ فما ذا عرّك بي ؟ أظننت أنّي لا أراك وأنّك لا تلقاني ؟ قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « ما منكم من أحد إلا ويسأله اللَّه ربّ العالمين ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان ( 1 ) » وقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « ليقفنّ أحدكم بين يدي اللَّه عزّ وجلّ ليس بينه وبينه حجاب فيقول له : ألم أنعم عليك ؟ ألم أوتك مالا ؟ فيقول : بلى فيقول : ألم أرسل عليك رسولا ؟ فيقول : بلى ، ثمّ ينظر عن يمينه فلا يرى إلا النّار ثمّ ينظر عن شماله فلا يرى إلا النّار ، فليتّق أحدكم النّار ولو بشقّ تمرة فإن لم يجد فبكلمة طيّبة ( 2 ) » . وقال ابن مسعود : ما منكم من أحد إلا سيخلو اللَّه عزّ وجلّ به كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر ، ثمّ يقول : يا ابن آدم ما غرّك بي ؟ يا ابن آدم ما عملت فيما علمت ؟ يا ابن آدم ما ذا أجبت المرسلين ؟ يا ابن آدم ألم أكن رقيبا على عينيك
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 338
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٣٨
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم ج 3 ص 86 من حديث عدى بن حاتم بلفظ « إلا سيكلمه » .
( 2 ) أخرجه مسلم ج 3 ص 86 من حديث عدى بن حاتم بلفظ « إلا سيكلمه » .