تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
أرجى دعاء وأقربه إلى الاستجابة . وقف محمّد بن سليمان على قبر ولده فقال : اللَّهمّ إنّي أصبحت أرجوك له وأخافك عليه فحقّق رجائي وآمن خوفي . ووقف أبو سنان على قبر ابنه فقال : اللَّهمّ إنّي قد غفرت له ما وجب لي عليه من حقّي فاغفر له ما وجب لك عليه فإنّك أجود وأكرم . ووقف أعرابيّ على قبر ابنه فقال : اللَّهمّ إنّي وهبت له ما قصّر فيه من برّي فهب له ما قصّر فيه من طاعتك . ولمّا مات ذرّ بن عمر بن ذرّ قام أبوه عمر بن ذرّ بعد ما وضع في لحده فقال . يا ذرّ لقد شغلنا الحزن لك عن الحزن عليك فليت شعري ما ذا قلت وما ذا قيل لك ؟ اللَّهمّ إنّ هذا ذرّ متّعتني به ما متّعتني ووفّيته أجله ورزقه ولم تظلمه ، اللَّهمّ وقد كنت ألزمته طاعتك وطاعتي ، اللَّهمّ وما وعدتني عليه من الأجر في مصيبتي فقد وهبت له ذلك فهب له عذابه ولا تعذّبه ، فأبكى النّاس ثمّ قال عند انصرافه : ما علينا من بعدك خصاصة يا ذرّ وما بنا إلى إنسان مع اللَّه حاجة فلقد مضينا وتركناك ولو أقمنا ما نفعناك . ونظر رجل إلى امرأة بالبصرة فقال : ما رأيت مثل هذه النضارة وما ذاك إلا من قلَّة الحزن ، فقالت : يا عبد اللَّه إنّي لفي حزن شديد ما يشركني فيه أحد ، قال : وكيف ؟ قالت : إنّ زوجي ذبح شاة في يوم الأضحى وكان له صبيّان مليحان يلعبان فقال أكبرهما للآخر : أتريد أن أريك كيف أبي يذبح الشاة قال : نعم فأخذه وأضجعه ثمّ ذبحه فما شعرنا به إلا متشحّطا في دمه [ 1 ] فلمّا ارتفع الصراخ هرب الغلام فلجأ إلى جبل فرهقه [ 2 ] ذئب فأكله وخرج أبوه يطلبه فمات عطشا من شدّة الحرّ قالت : فأفردني الدّهر كما ترى . فأمثال هذه المصائب ينبغي أن يتذكَّر عند موت الأولاد ليتسلَّى به عند شدّة الجزع فما من مصيبة إلا ويتصوّر ما هو أعظم منها وما يدفعه اللَّه في كلّ حال فهو الأكثر .
هامش
[ 1 ] التشحيط الاضطراب في الدم . [ 2 ] رهقه أي لحقه أو دنا منه سواء أخذ أو لم يأخذ .