تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
فكيف تفرح بالدّنيا ولذّتها * يا من يعدّ عليه اللَّحظ والنفس أصبحت يا غافلا في النقص منغمسا * وأنت دهرك في اللَّذات منغمس لا تأمن الموت في طرف ولا نفس * وإن تستّرت بالحجّاب والحرس لا يرحم الموت ذا جهل لغرّته * ولا الَّذي كان منه العلم مقتبس كم أخرس الموت في قبر وقفت به * عن الجواب لسانا ما به خرس قد كان قصرك معمورا له شرف * فقبرك اليوم في الأجداث مندرس ومنها غير ذلك : قال أبو حامد : فهذه أبيات كتبت على القبور لتقصير سكَّانها عن الاعتبار قبل الموت والبصير هو الَّذي ينظر إلى قبر غيره فيرى مكانه بين أظهرهم فيستعدّ للَّحوق بهم ويعلم أنّهم لا يبرحون من مكانهم ما لم يلحق بهم وليتحقّق أنّه لو عرض عليهم يوم واحد من أيّام عمره الَّذي هو مضيّع له لكان ذلك أحبّ إليهم من الدّنيا بحذافيرها لأنّهم قد عرفوا قدر الأعمار وانكشف لهم حقائق الأمور وإنّما حسرتهم ليوم من العمر ليتدارك المقصّر فيه تقصيره فيتخلَّص عن العقاب ، وليستزيد الموفّق به رتبته فيتضاعف له الثواب ، فإنّهم إنّما عرفوا قدر العمر بعد انقطاعهم فحسرتهم على ساعة من الحياة وأنت قادر على تلك الساعة ولعلَّك تقدر على أمثالها ثمّ أنت مضيّع لها ، فوطَّن نفسك على التحسّر على تضييعها عند خروج الأمر من الاختيار إن لم تأخذ نصيبك من ساعاتك على سبيل الاستبداد فقد قال بعض الصّالحين : « رأيت أخا لي في اللَّه فيما يرى النائم فقلت : يا فلان عشت حميدا الحمد للَّه ربّ العالمين قال : لأن أقدر على أن أقولها يعني الحمد للَّه ربّ العالمين أحبّ إليّ من الدّنيا وما فيها ، ثمّ قال ، ألم تر حيث كانوا يدفنونني فإنّ فلانا قد قام فصلَّى ركعتين لأن أكون أقدر على أن أصلَّيهما أحبّ إليّ من الدّنيا وما فيها . ( بيان أقاويلهم عند موت الولد ) حقّ على من مات ولده أو قريب من أقاربه أن ينزله بعد تقدّمه عليه في الموت منزلة ما لو كانا في سفر فسبقه ولده إلى البلد الَّذي هو مستقرّه ووطنه فإنّه
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 286 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري