والاستبشار والسرور عند موته مع أنّه ذكر في باب وفاة رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أنّه اشتدّ في النزع كربه وظهر أنينه وترادف قلقه وارتفع حنينه وتغيّر لونه وعرق جبينه واضطربت في الانقباض والانبساط شماله ويمينه حتّى بكى لمصرعه من حضره وانتحب لشدّة حاله من شاهد منظره ، ولم يمهله ملك الموت ساعة وذكر في الحكايات السابقة أنّ ملك الموت أمهل رجلا حتّى توضّأ وصلَّى ركعتين وذكر في شأن الخليل والكليم في باب سكرات الموت ما سمعت وهذا من أعجب العجائب ولنطو ما ذكره في هذا الباب طيّا فإنّ بعضه كلمات لا طائل تحتها وبعضه رعونات ودعاوي ، ينادي أكثرها بالإعجاب .
قال في آخر الباب : فهذه أقاويلهم وإنّما اختلف بحسب اختلاف أحوالهم فغلب على بعضهم الخوف وعلى بعضهم الرّجاء وعلى بعضهم الشوق والحبّ فتكلَّم كلّ واحد من مقتضى حاله والكلّ صحيح بالإضافة إلى أحوالهم .
* ( الباب السادس ) *
* ( في أقاويل العارفين على الجنائز والمقابر وحكم زيارة القبور ) *
اعلم أنّ الجنائز عبرة للبصير ، وفيها تنبيه وتذكير لأهل الفطنة فأمّا أهل الغفلة فإنّه لا تزيدهم مشاهدتها إلا قساوة لأنّهم يظنّون أنّهم أبدا إلى جنازة غيرهم ينظرون ولا يحسبون أنّهم لا محالة على الجنائز يحملون ، أو يحسبون ذلك ولكنّهم على القرب لا يقدّرون ، ولا يتفكَّرون أنّ المحمولين على الجنائز كلَّهم هكذا كانوا يحسبون فبطل حسبانهم وانقرض على القرب زمانهم ، فلا ينظرنّ عبد إلى جنازة إلا وينبغي أن يعدّ نفسه محمولا عليها فإنّه محمول عليها على القرب وكأن قد ولعلَّه في غد أو بعد غد فروي عن بعضهم أنّه كان إذا رأى جنازة قال : امض وأنا على الأثر .
ثمّ ذكر أبو حامد مقالات قوم على الجنائز من هذا القبيل ، ثمّ قال :
فهكذا كان خوفهم من الموت والآن لا ننظر إلى جماعة يحضرون جنازة إلا وأكثرهم يضحكون ويلهون ولا يتكلَّمون إلا في ميراثه وما خلَّفه لورثته ولا يتفكَّر أقرانه
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 282
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٨٢