بعدي ، ثمّ أغمي عليه فقام بعض من حضر ليأتي بالدّواة والكتف فقال له عمر : ارجع فإنّ النبيّ يهجر ، ثمّ تلاوموا بينهم فقال بعضهم : أطيعوا رسول اللَّه وأتوه بالدّواة والكتف ، وقال آخرون : أطيعوا عمر ، وقال آخرون : إنّا للَّه وإنّا إليه راجعون ، لقد أشفقنا من مخالفتنا لرسول اللَّه . فلمّا أفاق قال بعض : ألا نأتيك بالدّواة والكتف يا رسول اللَّه ؟ فقال : أمّا بعد الَّذي قلتم لا ، ولكنّي أوصيكم بأهل بيتي خيرا ، وأعرض بوجهه عن القوم فنهضوا ،
وقال بعض العارفين في هذا المعنى :
أوصي النبيّ فقال قائلهم * قد ظلّ يهجر سيّد البشر
ورأي أبا بكر أصاب ولم * يهجر وقد أوصى إلى عمر
قال الرّاوي : وبقي عند الرّسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم عليّ بن أبي طالب والعبّاس بن - عبد المطلب وأهل بيته ، فقال العباس : يا رسول اللَّه إن يكن هذا الأمر فينا مستقرّا فبشّرنا وإن كنت تعلم أنّا نغلب عليه فأوص بنا ، فقال : أنتم المستضعفون من بعدي وصمت ، فنهضوا وهم يبكون وقد آيسوا من النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فلمّا خرجوا من عنده قال لهم : ردّوا عليّ بن أبي طالب وعمّي العبّاس فلمّا حضروا قال للعباس : يا عمّ تقبل وصيّتي ، وتنجز عدتي ، وتقضي ديني ؟ قال العبّاس : يا ابن أخي عمّك شيخ كبير ذو عيال كثيرة وأنت تباري الرّيح سخاء وكرما وعليك وعد لا ينهض به عمّك ، فأقبل بوجهه على أمير المؤمنين عليه السّلام وقال : يا أخي تقبل وصيّتي ، وتنجز عدتي ، وتقضي ديني ، وتقوم بأمر أهلي من بعدي ؟ قال : نعم يا رسول اللَّه فداك أبي وأمّي فقال له رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : ادن منّي ، فدنا منه فضمّه إلى صدره وقبّل ما بين عينيه وتعانقا وبكى كلّ منهما ثمّ نزع خاتمه من إصبعه ، وقال له : خذ هذا فضعه في يدك ودعا بسيفه ودرعه ولأمة حربه وفرسه وناقته وبغلته والتمس عصابته الَّتي كان يشدّها على بطنه إذا لبس سلاحه وخرج إلى الحرب ، فدفع ذلك كلَّه إليه ، وقال : امض به على بركة اللَّه إلى منزلك .
قال الرّاوي : واستأذن ابن عبّاس على رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فأذن له فلمّا دخل عليه قال : بأبي أنت وأمّي يا رسول اللَّه قد دنا أجلك ؟ قال : نعم ، قال : يا رسول اللَّه فما
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 273
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٧٣