قال أبو حامد : فهذه سكرات الموت على أوليائه وأحبّائه فما حالنا ونحن المنهمكون في المعاصي ويتوالى علينا مع سكرات الموت بقية الدّواهي فإنّ دواهي الموت ثلاثة الأولى شدّة النزع كما ذكرناه ، الدّاهية الثانية مشاهدة صورة ملك الموت ودخول الرّوع والخوف منه على القلب ، فلو رأى صورته الَّتي عليها يقبض روح العبد المذنب أعظم الرّجال قوّة لم يطق رؤيته فرويعن إبراهيم الخليل عليه السّلام أنّه قال لملك الموت هل تستطيع أنّ تريني الصورة الَّتي تقبض فيها روح الفاجر ؟ قال : فأعرض عنّي فأعرض عنه ثمّ التفت فإذا هو برجل أسود قائم الشعر منتن الرّيح أسود الثياب يخرج من فيه ومنخريه لهب النار والدّخان فغشي على إبراهيم عليه السّلام ثمّ أفاق وقد عاد ملك الموت إلى صورته الأولى فقال : يا ملك الموت لو لم يلق الفاجر عند موته إلا صورة وجهك لكان حسبه ( 1 ) . وأمّا المطيع فإنّه يراه في أحسن صورة وأجملها فقد روى عكرمة عن ابن عبّاس أنّ إبراهيم صلوات اللَّه عليه كان رجلا غيورا وكان له بيت يتعبّد فيه فإذا خرج أغلقه فرجع ذات يوم فإذا برجل في جوف البيت فقال : من أدخلك داري ، فقال : أدخلنيها ربّها فقال : أنا ربّها قال : أدخلنيها من هو أملك لها منّي ومنك فقال : من أنت من الملائكة ؟ قال : أنا ملك الموت فقال : فهل تستطيع أن تريني الصورة الَّتي تقبض فيها روح المؤمنين ؟ قال : نعم فأعرض عنّي فأعرض عنه ، ثمّ التفت فإذا هو بشابّ فذكر من حسن وجهه وحسن ثيابه وطيب ريحه فقال : يا ملك الموت لو لم يلق المؤمن عند الموت إلا صورتك كان حسبه . ومنها مشاهدة الملكين الحافظين قال وهب : بلغنا أنّه ما من ميّت يموت حتّى يترآى له الملكان الكاتبان عمله فإن كان مطيعا قالا له : جزاك اللَّه عنّا خيرا فربّ مجلس صدق أجلستنا وعمل صالح قد أحضرتنا وإن كان فاجرا قالا : لا جزاك اللَّه عنّا خيرا فربّ مجلس سوء قد أجلستنا وعمل غير صالح قد أحضرتنا وكلام قبيح قد أسمعتنا فلا جزاك اللَّه عنّا خيرا ( 2 ) . فذلك حين شخوص بصر الميّت
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 259
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٥٩
هامش
( 1 ) جامع الأخبار فصل 135 .
( 2 ) راجع جامع الأخبار فصل 133 في القبر .