تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧

أشدُّ خلقا أم السّماء بناها ( 1 ) » فارجع الآن إلى النطفة وتأمّل حالها أوّلا وما صارت إليه ثانيا وتأمّل أنّه لو اجتمع الإنس والجنّ على أن يخلقوا للنطفة سمعا أو بصرا أو عقلا أو قدرة أو علما أو روحا أو يخلقوا فيها عظما أو عرقا أو عصبا أو جلدا أو شعرا هل يقدرون عليها بل لو أرادوا أن يعرفوا كنه حقيقته وكيفيّة خلقته بعد أن خلق اللَّه تعالى ذلك لعجزوا عنها فالعجب منك لو نظرت إلى صورة إنسان مصوّر على حائط تأنّق النقّاش [ 1 ] في تصويرها حتّى قرب ذلك من صورة الإنسان وقال الناظر إليها كأنّه إنسان عظم تعجّبك من صنعة النقّاش وحذقه وخفّة يده وتمام فطنته ولعظم في قلبك محلَّه مع أنّك تعلم أنّ تلك الصّورة إنّما تمّت بالصبغ والقلم والحائط واليد والقدرة والعلم والإرادة ، وشئ من ذلك ليس من فعل النقّاش ولا خلقه بل هو من خلق غيره وإنّما منتهى فعله الجمع بين الصّبغ والحائط على ترتيب مخصوص ، فيكثر تعجّبك منه وتستعظمه وأنت ترى النّطفة القذرة الَّتي كانت معدومة فخلقها خالقها في الأصلاب والتّرائب ثمّ أخرجها منها وشكَّلها وأحسن تشكيلها وقدّرها فأحسن تقديرها وصوّرها فأحسن تصويرها وقسم أجزاءها المتشابهة إلى أجزاء مختلفة فأحكم العظام في أرجائها وحسّن أشكال أعضائها وزيّن ظاهرها وباطنها ورتّب عروقها وأعصابها وجعلها مجرى لغذائها ليكون ذلك سببا لبقائها وجعلها سميعا بصيرا عالما ناطقا ، فخلق لها الظهر أساسا لبدنها والبطن حاويا لآلات غذائها والرّأس جامعا لحواسّها ففتح العين ورتّب طبقاتها وأحسن شكلها ولونها وهيأتها ثمّ حماها بأجفان لتسترها وتحفظها وتصقلها وتدفع الأقذاء عنها ، ثمّ أظهر في مقدار عدسة منها صورة السّماء مع اتّساع أكنافها وتباعد أقطارها فهو ينظر إليها وشقّ أذنيه وأودعهما ماء مرّا لحفظ سمعها ويدفع الهوامّ عنها وحوّطها بصدفة الأذن لتجمع الصوت فتردّها إلى صماخها ولتحسّ بدبيب الهوامّ إليها وجعل فيها تجويفات واعوجاجات لتكثر حركة ما يدبّ فيها ويطول طريقها

هامش
( 1 ) النازعات : 27 .
[ 1 ] تأنق في عمله أي عمله باتقان .