بين جمال الحور العين والصور المصنوعة من الطين ، بل استعظام النفوس البهيميّة الشهوانيّة لقضاء الوطر من مخالطة الحسان وإعراضها عن جمال وجه اللَّه الكريم يضاهي استعظام الخنفساء لصاحبتها وألفها لها وإعراضها عن النظر إلى جمال وجوه النساء فعمى أكثر القلوب عن إبصار جمال اللَّه عزّ وجلّ وجلاله يضاهي عمي الخنفساء عن إدراك جمال النساء فإنّها لا تشعر به أصلا ولا تلتفت إليه ولو كان لها عقل وذكرن لها لاستخفّ عقل من يلتفت إليهنّ ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربّك ، كلّ حزب بما لديهم فرحون ولذلك خلقهم والغرض أنّ هذه النيّات متفاوتة الدّرجات ومن غلب على قلبه واحدة منها ربّما لم يتيسّر له العدول إلى غيرها ومعرفة هذه الحقائق تورث أعمالا وأفعالا يستنكرها الظاهريّون من الفقهاء فإنّا نقول من حضرت له نيّة في مباح ولم تحضر في فضيلة فالمباح أولى وانتقلت الفضيلة إليه وصارت الفضيلة في حقّه نقيصة لأنّ الأعمال بالنيّات وذلك مثل العفو فإنّه أفضل من الانتصار في الظلم فإنّه ربّما تحضره نيّة في الانتصار دون العفو يكون ذلك أفضل ومثل أن يكون له نيّة في الشرب والأكل والنوم ليريح نفسه ويتقوّى على العبادة في المستقبل وليس تنبعث نيّته في الحالين للصوم والصلاة فالأكل والنوم هو الأفضل له بل لو ملّ العبادة لمواظبته عليها وسكن نشاطه وضعف رغبته وعلم أنّه لو ترفّه ساعة بلهو وحديث عاد نشاطة ، فاللَّهو والحديث أفضل من الصلاة ، وقال أبو الدّرداء : إنّي لأستجمّ نفسي باللَّهو فيكون ذلك عونا لي على الحقّ . وقال عليّ عليه السّلام : « روّحوا القلوب فإنّها إذا أكرهت عميت » ( 1 ) وهذه دقائق يدركها سماسرة العلماء دون الحشويّة منهم بل الحاذق بالطبّ قد يعالج المحرور باللَّحم مع حرارته ويستبعده القاصر في الطبّ وإنّما ينبغي به أن يعيد أوّلا قوّته ليحتمل المعالجة بالضدّ ، والحاذق في الشطرنج قد ينزل عن الرخ والفرس مجّانا ليتوصّل به إلى الغلبة والضعيف البصيرة قد يضحك به ويتعجّب منه وكذلك الخبير بالقتال قد يرى من نفسه الهزيمة ويولَّي الخصم دبره ليستجرّه إلى مضيق فيكرّ عليه فكذلك سلوك طريق اللَّه عزّ وجلّ
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 124
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٢٤
هامش
( 1 ) تقدم نحوه .