مجامع المعاني الَّتي شرحناها كانوا ينكرونها ، بل لا يظن ذلك بعاقل أصلا إلا أن يفرض منازعة من حيث اللَّفظ في أنّ اسم الشّكر في وضع اللَّسان هل يشمل جميع المعاني أم يتناول بعضها مقصودا وبقيّة المعاني تكون من توابعه ولوازمه ولسنا نقصد في هذا الكتاب شرح موضوعات اللَّغات فليس ذلك من علم طريق الآخرة في شيء
* ( بيان كشف الغطاء عن الشكر في حقّ اللَّه سبحانه ) *
لعلَّه يخطر ببالك أنّ الشكر إنّما يعقل في حقّ منعم هو صاحب حظَّ في الشكر فإنّا نشكر الملوك إمّا بالثناء ليزيد محلَّهم في القلوب ويظهر كرمهم عند الناس فيزيد به صيتهم وجاههم ، أو بالخدمة الَّتي هي إعانة لهم على بعض أغراضهم أو بالمثول بين أيديهم في صورة الخدم وذلك تكثير لسوادهم وسبب لزيادة جاههم فلا يكونون شاكرين لهم إلا بشيء من ذلك وهذا محال في حقّ اللَّه تعالى من وجهين :
أحدهما أنّ اللَّه منزّه عن الحظوظ والأغراض ، مقدّس عن الحاجة إلى الخدمة والإعانة وعن نشر الجاه والحشمة بالثّناء والإطراء ، وعن تكثير سواد الخدم بالمثول بين يديه ركَّعا سجّدا فشكرنا إيّاه بما لا حظَّ له فيه يضاهي شكرنا الملك المنعم علينا بأن ننام في بيوتنا أو نسجد أو نركع إذ لا حظَّ للملك فيه وهو غائب لا علم له . ولا حظَّ للَّه تعالى في أفعالنا كلَّها . الوجه الثاني أنّ جميع ما نتعاطاه باختيارنا فهو نعمة أخرى علينا من نعم اللَّه إذ جوارحنا وقدرتنا وإرادتنا وداعيتنا وسائر الأمور الَّتي هي أسباب حركتنا ونفس حركتنا من خلق اللَّه تعالى ونعمته فكيف نشكر نعمته بنعمته ، ولو أعطانا الملك مركوبا فأخذنا مركوبا آخر له وركبناه أو أعطانا مركوبا آخر لم يكن الثاني شكرا للأوّل منّا ، بل كان الثّاني يحتاج إلى شكر كما يحتاج الأوّل ، ثمّ لا يمكن شكر الشّكر إلا بنعمة أخرى فيؤدّي إلى أن يكون الشكر محالا في حقّ اللَّه تعالى من هذين الوجهين ولسنا نشكّ في الأمرين جميعا والشرع قد ورد به فكيف السبيل إلى الجمع ، فاعلم أنّ هذا الخاطر قد خطر لداود عليه السّلام وكذلك لموسى عليه السّلام فقال : يا ربّ كيف أشكرك وأنا لا أستطيع أن أشكرك إلا بنعمة ثانية من نعمك ؟ وفي لفظ آخر : وشكري لك نعمة أخرى منك توجب عليّ
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 151
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٥١