تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣

أن يكون غير ذلك فإذا ليس في الوجود غير الحيّ القيّوم وهو الواحد الصمد فإذا نظرت من هذا المقام علمت أنّ الكلّ منه مصدره وإليه مرجعه فهو الشاكر وهو المشكور وهو المحبّ وهو المحبوب . ومن ههنا نظر حبيب بن أبي حبيب حيث قرأ قوله تعالى : « إنّا وجدناه صابرا نعم العبد إنّه أوّاب » ( 1 ) فقال : وا عجبا أعطى وأثنى . أشار إلى أنّه إذا أثنى على إعطائه فعلى نفسه أثنى فهو المثني وهو المثنى عليه . ومن ههنا نظر الشيخ أبو سعيد الميهني حيث قرء بين يديه « يحبّهم ويحبّونه » فقال : لعمري يحبّهم ودعه يحبّهم فبحقّ يحبّهم لأنّه إنّما يحبّ نفسه . أشار به إلى أنّه المحبّ وأنّه المحبوب ، وهذه رتبة عالية لا تفهمها إلا بمثال على حدّ عقلك ولا يخفى عليك أنّ المصنّف إذا أحبّ تصنيفه فقد أحبّ نفسه والصانع إذا أحبّ صنعته فقد أحبّ نفسه والوالد إذا أحبّ ولده من حيث إنّه ولده فقد أحبّ نفسه ، وكلّ ما في الوجود سوى اللَّه فهو تصنيف اللَّه وصنعته فإن أحبّه فما أحبّ إلا نفسه وإذا لم يحبّ إلا نفسه فبحقّ أحبّ ما أحبّ ، وهذا كلَّه نظر بعين التّوحيد ، وتعبّر الصوفيّة عن هذه الحالة بفناء النفس أي فنى عن نفسه وعن غير اللَّه ولم ير إلا اللَّه فمن لم يفهم هذا ينكر عليهم ويقول : كيف فنى وطول ظلَّه أربعة أذرع ؟ ولعلَّه يأكل في كلّ يوم أرطالا من الخبز فيضحك عليهم الجهّال لجهلهم بمعاني كلامهم ، وضرورة قول العارفين أن يكونوا ضحكة للجاهلين وإليه الإشارة بقوله تعالى : « إنّ الَّذين أجرموا كانوا من الَّذين آمنوا يضحكون . وإذا مرّوا بهم يتغامزون . وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين . وإذا رأوهم قالوا إنّ هؤلاء لضالَّون . وما أرسلوا عليهم حافظين » ( 2 ) ثمّ بيّن إن ضحك العارفين عليهم غدا أعظم إذ قال : « فاليوم الَّذين آمنوا من الكفّار يضحكون . على الأرائك ينظرون » ( 3 ) وكذلك امّة نوح كانوا يضحكون عليه عند اشتغاله بعمل السّفينة فقال : « إن تسخروا منّا فإنّا نسخر منكم كما تسخرون »

هامش
( 1 ) ص : 44 .
( 2 ) المطففين : 30 إلى 34 .
( 3 ) المطففين : 35 و 36 .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 153 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري