تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
العليا وأمارته أن لا يفرح من الدّنيا إلا بما هو مزرعة الآخرة ويعينه عليها ويحزن بكلّ نعمة تلهيه عن ذكر اللَّه وتصدّه عن سبيله لأنّه ليس يريد النّعمة لأنّها لذيذة كما لم يرد صاحب الفرس الفرس لأنّه جواد ومهملج بل من حيث إنّه يحمله في صحبة الملك حتّى تدوم مشاهدته له وقربه منه ، ولذلك قال الشبلي : الشكر رؤية المنعم لا رؤية النعمة ، وقال الخوّاص : شكر العامّة على المطعم والملبس والمشرب وشكر الخاصّة على واردات القلوب . وهذه رتبة لا يدركها كلّ من انحصرت عنده اللَّذات في البطن والفرج ومدركات الحواسّ من الألوان والأصوات وخلا عن لذّة القلب فإنّ القلب لا يلتذّ في حال الصحّة إلا بذكر اللَّه ومعرفته ولقائه وإنّما يلتذّ بغيره إذا مرض بسوء العادات كما يلتذّ بعض النّاس بأكل الطين وكما يستبشع بعض المرضى الأشياء الحلوة ويستحلى الأشياء المرّة حتّى قيل : ومن يك ذا فم مرّ مريض * يجد مرّا به الماء الزّلالا فإذن هذا شرط الفرح بنعمة اللَّه فإن لم تكن إبل فمعزى ، وإن لم يكن هذا فالدّرجة الثانية أمّا الأولى فخارجة عن كلّ حساب ، فكم من فرق بين من يريد الملك للفرس وبين من يريد الفرس للملك ، وكم من فرق بين من يريد اللَّه لينعم عليه وبين من يريد نعمة اللَّه ليصل بها إليه . الأصل الثالث العمل بموجب الفرح الحاصل من معرفة المنعم وهذا العمل يتعلَّق بالقلب وباللَّسان وبالجوارح ، أمّا بالقلب فقصد الخير وإضماره لكافّة الخلق ، وأمّا باللَّسان فإظهار الشكر للَّه بالتحميدات الدّالَّة عليه ، وأمّا بالجوارح فاستعمال نعم اللَّه في طاعته والتوقّي من الاستعانة بها على معصيته حتّى أنّ شكر العينين أن تستر كلّ عيب تراه بمسلم وشكر الأذنين أن تستر كلّ عيب تسمعه لمسلم فيدخل هذا في جملة شكر نعم اللَّه تعالى بهذه الأعضاء والشكر باللَّسان لإظهار الرّضا عن اللَّه تعالى وهو مأمور به . فقد قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم « لرجل : كيف أصبحت ؟ فقال : بخير فأعاد السؤال ، فأعاد