تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤

« وننشئكم فيما لا تعلمون » ( 1 ) فالمقرّ بالقيامتين مؤمن بعالم الغيب والشّهادة وموقن بالملك والملكوت ، والمقرّ بالقيامة الصّغرى دون الكبرى ناظر بالعين العوراء إلى أحد العالمين ، وذلك هو الجهل والضلال والاقتداء بالأعور الدّجّال فما أعظم غفلتك يا مسكين - وكلَّنا ذلك المسكين - وبين يديك هذه الأهوال ، فإن كنت لا تؤمن بالقيامة الكبرى بالجهل والضلال أفلا تكفيك القيامة الصغرى ، أو ما سمعت قول سيّد الأنبياء : « كفى بالموت واعظا » ( 2 ) أو ما تستحيي من استبطائك هجوم الموت اقتداء برعاع الغافلين الَّذين « لا ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصّمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون » ، فيأتيهم المرض نذيرا من الموت فلا ينزجرون ، ويأتيهم الشيب رسولا منه فما يعتبرون » ف « يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤون » أفيظنّون أنّهم في الدّنيا خالدون ، « ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنّهم إليهم لا يرجعون » أم يحسبون أنّ الموتى سافروا من عندهم فهم معدومون كلا « إن كلّ لمّا جميع لدينا محضرون » ولكن « ما تأتيهم من آية من آيات ربّهم إلا كانوا عنها معرضين » وذلك لأنّا « جعلنا من بين أيديهم سدّا ومن خلفهم سدّا فأغشيناهم فهم لا يبصرون * وسواء عليهم أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون » . ولنرجع إلى الغرض فإنّ هذه تلويحات تشير إلى أمور هي أعلى من علوم المعاملة فنقول : قد ظهر أنّ الصبر عبارة عن ثبات باعث الدّين في مقاومة باعث الهوى وهذه المقاومة من خاصّة الآدميّين لما وكَّل بهم من الكرام الكاتبين فلا يكتبان شيئا على الصبيان والمجانين إذ ذكرنا أنّ الحسنة في الإقبال على الاستفادة منهما والسيّئة في الإعراض عنهما وما للصبيان والمجانين سبيل إلى الاستفادة فلا يتصوّر منهما إقبال وإعراض ، وهما لا يكتبان إلا الإقبال والإعراض من القادرين على الإقبال والإعراض ، ولعمري إنّه تظهر مبادي إشراق نور الهداية عند سنّ التمييز

هامش
( 1 ) الواقعة : 61 .
( 2 ) أخرجه الطبراني في الكبير من حديث عمار بسند ضعيف كما في الجامع الصغير .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 114 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري