لا تدركه الأبصار في هذا العالم ، ثمّ تنشر هذه الصّحائف المطويّة عنه مرّتين ، مرّة في القيامة الصّغرى ومرّة في القيامة الكبرى ، وأعني بالقيامة الصّغرى حالة الموت إذ قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « من مات فقد قامت قيامته » ( 1 ) وفي هذه القيامة يكون العبد وحده وعندها يقال : « لقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أوّل مرّة » وفيها يقال : « كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا » أمّا في القيامة الكبرى الجامعة لكافّة الخلائق لا يكون وحده بل ربّما يحاسب على ملاء من الخلق ، وفيها يساق المتّقون إلى الجنّة والمجرمون إلى النّار ، زمرا لا آحادا ، والهول الأوّل هو هول القيامة الصّغرى ، ولجميع أهوال القيامة الكبرى نظير في القيامة الصغرى مثل زلزلة الأرض مثلا فإنّ أرضك الخاصّة بك تزلزل في الموت فإنّك تعلم أنّ الزلزلة إذا نزلت ببلدة صدق أن يقال : قد زلزلت أرضهم وإن لم تزلزل البلاد المحيطة بها بل لو زلزل مسكن الإنسان وداره فقد حصلت الزّلزلة في حقّه ، لأنّه إنّما يتضرّر عند زلزلة جميع الأرض بزلزلة مسكنه لا بزلزلة مسكن غيره فحصّته من الزّلزلة قد توفّرت من غير نقصان ، واعلم أنّك أرضيّ مخلوق من التّراب وحظَّك الخاصّ من التّراب بدنك فقطَّ فأمّا بدن غيرك فليس بحظَّك ، والأرض الَّتي أنت جالس عليها بالإضافة إلى بدنك ظرف ومكان وإنّما تخاف من تزلزله أن يتزلزل بدنك بسببه وإلا فالهواء أبدا متزلزل وأنت لا تخشاه إذ ليس يتزلزل به بدنك ، فحظَّك من زلزلة الأرض كلَّها زلزلة بدنك فقطَّ ، فهي أرضك وترابك الخاصّ بك وعظامك جبال أرضك ، ورأسك سماء أرضك ، وقلبك شمس أرضك ، وسمعك وبصرك وسائر حواسك نجوم سمائك ، ومفيض العروق من بدنك بحر أرضك ، وشعورك نبات أرضك ، وأطرافك أشجار أرضك ، وهكذا إلى جميع أجزائك فإذا انهدم بالموت أركان بدنك فقد زلزلت الأرض زلزالها ، فإذا انفصل العظام من اللَّحوم فقد حملت الأرض والجبال فدكَّتا دكَّة واحدة فإذا رمّت العظام فقد نسفت الجبال نسفا فإذا أظلم قلبك عند الموت فقد كوّرت الشّمس تكويرا ، فإذا بطل سمعك وبصرك وسائر
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 112
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١١٢
هامش
( 1 ) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الموت من حديث أنس بسند ضعيف كما في المغني .