تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩

لذّتها وشهوتها دخل النار » ( 1 ) . وعن النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قال : « سيأتي على الناس زمان لا ينال الملك فيه إلا بالقتل والتجبّر ولا الغنى إلا بالغصب والبخل ولا المحبّة إلا باستخراج الدّين واتّباع الهوى ، فمن أدرك ذلك الزّمان فصبر على الفقر وهو يقدر على الغنى وصبر على البغضة وهو يقدر على المحبّة ، وصبر على الذّل وهو يقدر على العزّ آتاه اللَّه ثواب خمسين صدّيقا ممّن صدّق بي » ( 2 ) . والأخبار في فضيلة الصبر أكثر من أن تحصى . قال أبو حامد : هذا بيان فضيلة الصبر من حيث النقل ، فأمّا من حيث النظر بعين الاعتبار فلا تفهمه إلا بعد فهم حقيقة الصبر ومعناه ، إذ معرفة الفضيلة والرّتبة معرفة صفة فلا يحصل قبل معرفة الموصوف فلنذكر حقيقته ومعناه . * ( بيان حقيقة الصبر ومعناه ) * اعلم أنّ الصبر مقام من مقامات الدّين ومنزل من منازل السالكين وجميع مقامات الدّين إنّما ينتظم من ثلاثة أمور : معارف وأحوال وأعمال . فالمعارف هي الأصول وهي تورث الأحوال والأحوال تثمر الأعمال فالمعارف كالأشجار والأحوال كالأغصان والأعمال كالثمار ، وهذا مطَّرد في جميع منازل السالكين إلى اللَّه ، واسم الإيمان تارة يختص بالمعارف وتارة يطلق على الكلّ كما ذكرناه في اختلاف اسم الإيمان والإسلام في كتاب قواعد العقائد وكذلك الصبر لا يتمّ إلا بمعرفة سابقة وبحالة قائمة فالصبر على التحقيق عبارة عنها والعمل هو كالثمرة يصدر عنها ولا يعرف هذا إلا بمعرفة كيفيّة الترتيب بين الملائكة والإنس والبهائم فإنّ الصبر خاصيّة الإنس ولا يتصوّر ذلك في البهائم والملائكة أمّا في البهائم فلنقصانها وأمّا في الملائكة فلكمالها ، وبيانه أنّ البهائم سلَّطت عليها الشهوات وصارت مسخّرة لها فلا باعث لها على الحركة والسكون إلا الشهوة ليس فيها قوّة تصادم الشهوة وتردّها عن مقتضاها حتّى يسمّى ثبات تلك القوّة في مقابلة مقتضى الشهوة صبرا ، وأمّا الملائكة

هامش
( 1 ) الكافي ج 2 ص 89 تحت رقم 7 .
( 2 ) المصدر ج 2 ص 91 تحت رقم 12 .