الكرام والأكياس ، إذ قيل لرسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : من أكرم الناس وأكيسهم ؟ فقال : « أكثرهم للموت ذكرا وأشدّهم له استعدادا » ( 1 ) وهذه السعادات لا تنال إلا بثلاثة وسائل في الدّنيا وهي الفضائل النفسيّة كالعلم وحسن الخلق ، والفضائل البدنيّة كالصحّة والسلامة ، والفضائل الخارجة عن البدن كالمال وسائر الأسباب وأعلاها النفسيّة ثمّ البدنيّة ثمّ الخارجة ، والخارجة أخسّها ، والمال من جملة الخارجات وأدناها الدّراهم والدّنانير فإنّهما خادمان ولا خادم لهما ويرادان لغيرهما ولا يرادان لذاتهما إذ النفس هي الجوهر النفيس المطلوب سعادتها وأنّها تخدم العلم والمعرفة ومكارم الأخلاق لتحصلها صفة في ذاتها ، والبدن يخدم النّفس بواسطة الحواسّ والأعضاء ، والمطاعم والملابس تخدم البدن . وقد سبق أنّ المقصود من المطاعم إبقاء البدن ومن المناكح إبقاء النسل ومن البدن تكميل النفس وتزكيتها وتزيينها بالعلم والخلق ، ومن عرف هذا الترتيب فقد عرف قدر المال ووجه شرفه وأنّه من حيث هو ضرورة المطاعم والملابس الَّتي هي ضرورة بقاء البدن الَّذي هو ضرورة كمال النفس الَّذي هو خير ، ومن عرف فائدة الشيء وغايته ومقصده واستعمله لتلك الغاية ملتفتا إليها غير ناس لها فقد أحسن وانتفع وكان ما يحصل الغرض محمودا في حقّه ، فإذن المال آلة ووسيلة إلى مقصود صحيح ويصلح أن يتّخذ آلة ووسيلة إلى مقاصد فاسدة وهي المقاصد الصادّة عن سعادة الآخرة وتسدّ سبيل العلم والعمل ، فهو إذا محمود مذموم ، محمود بالإضافة إلى المقصود المحمود ومذموم بالإضافة إلى المقصود المذموم ، فمن أخذ من الدّنيا أكثر ممّا يكفيه فقد أخذ حتفه وهو لا يشعر كما ورد في الخبر ، ولمّا كانت الطباع مائلة إلى اتّباع الشهوات القاطعة لسبيل اللَّه وكان المال مسهّلا لها وآلة إليها عظم الخطر فيما يزيد على قدر الكفاية فاستعاذ الأنبياء من شرّه حتّى قال نبيّنا صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « اللَّهمّ اجعل قوت آل محمّد كفافا » ( 2 ) فلم يطلب من الدّنيا ما لم يتمحّض خيره ، وقال : « اللَّهمّ
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 45
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٤٥
هامش
( 1 ) رواه ابن أبي الدنيا في الموت بسند جيد كما في المغني .
( 2 ) متفق عليه وأخرجه ابن ماجة تحت رقم 4139 من حديث أبي هريرة .