قالت : دخلت امرأة على النبيّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم فلمّا خرجت فقلت بيدي - هكذا - أي أنّها قصيرة ، فقال النبيّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم « قد اغتبتها » ( 1 ) وهذا منشؤه خفيّ الكبر لأنّها لو كانت أيضا قصيرة لما ذكرتها بالقصر فكأنّها أعجبت بقامتها واستقصرت المرأة في جنب نفسها فقالت ما قالت . الخامس الكبر بالمال وذلك يجري بين الملوك في الخزائن ، وبين التجّار في بضائعهم ، وبين الدّهاقين في أراضيهم ، وبين المتجمّلين في لباسهم وخيولهم ومراكبهم فيستحقر الغنيّ الفقير ويتكبّر عليه ويقول له : أنت مكدّ ومسكين وأنا لو أردت لاشتريت مثلك واستخدمت من هو فوقك ، ومن أنت وما معك وأثاث بيتي يساوي أكثر من جميع مالك ، وأنا أنفق في اليوم ما لا تأكله في السنة وكلّ ذلك لاستعظامه للغنى ، واستحقاره للفقر وكلّ ذلك جهل منه بآفة الغنى وفضيله الفقر ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : « فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعزُّ نفرا » ( 2 ) حتّى أجابه وقال : « إن ترن أنا أقلّ منك مالا وولدا فعسى ربّي أن يؤتين خيرا من جنّتك ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا » وكان ذلك تكبّرا منه بالمال والولد ثمّ بيّن الله عاقبة أمره وهو قوله : « يا ليتني لم أشرك بربّي أحدا » ( 3 ) . ومن ذلك تكبّر قارون إذ قال تعالى : « فخرج على قومه في زينته » حتّى قال قومه : « يا ليت لنا مثل ما أُوتي قارون - الآية - » ( 4 ) . السادس الكبر بالقوّة وشدّة البطش والتكبّر به على أهل الضعف . السابع التكبّر بالأتباع والأنصار والتلامذة والغلمان والعشيرة والأقارب والبنين ويجري ذلك بين الملوك في المكاثرة بالجنود وبين العلماء بالمكاثرة بالمستفيدين ، وبالجملة فكلّ ما هو نعمة وأمكن أن يعتقد كمالا وإن لم يكن في نفسه كمالا أمكن أن يتكبّر به ، حتّى أن المخنّث ليتكبر على أقرانه بزيادة قدرته ومعرفته
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 244
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٤٤
هامش
( 1 ) تقدم في آفات اللسان .
( 2 ) الكهف : 33 و 40 .
( 3 ) الكهف : 33 و 40 .
( 4 ) القصص : 80 .