عبادتهم منّة على الخلق ، وأمّا في الدّين فهو أن يرى الناس هالكين ويرى نفسه ناجيا وهو الهالك تحقيقا مهما رأى ذلك قال النبيّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم : « إذا سمعتم الرّجل يقول هلك الناس فهو أهلكهم » ( 1 ) وإنّما قال : ذلك لأنّ هذا القول يدلّ على أنّه مزدر لخلق الله ، مغترّ بالله ، آمن من مكره ، غير خائف من سطوته ، وكيف لا يخاف ويكفيه شرّا احتقاره لغيره ، قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم : « كفى بالمرء شرّا أن يحقر أخاه المسلم ، وكم من الفرق بينه وبين من يحبّه لله ويعظمه لعبادته ويستعظمه ويرجو له ما لا يرجو لنفسه فالخلق يدركون النجاة بتعظيمهم إيّاه لله فهم يتقرّبون إلى الله بالدّنوّ منه وهو يتمقت إلى الله بالتنزّه والتباعد منهم كأنّه مرتفع عن مجالستهم ، فما أجدرهم إذا أحبّوه لصلاحه أن ينقلهم الله إلى درجته في العمل وما أجدره إذا ازدرأهم بعينه أن ينقله الله إلى حدّ الإهمال كما روي أنّ رجلا في بني إسرائيل - يقال له : خليع بني إسرائيل لكثرة فساده - مرّ برجل آخر يقال له : عابد بني إسرائيل وكانت على رأس العابد غمامة تظلَّه فلمّا مرّ الخليع به فقال الخليع في نفسه : أنا خليع بني إسرائيل وهذا عابد بني إسرائيل فلو جلست إليه لعلّ الله يرحمني فجلس إليه فقال العابد في نفسه : أنا عابد بني إسرائيل وهذا خليع بني إسرائيل كيف يجلس إليّ فأنف منه وقال له : قم عنّي فأوحى الله إلى نبيّ ذلك الزّمان مرهما فليستأنفا العمل فقد غفرت للخليع وأحبطت عمل العابد ، وفي حديث آخر فتحوّلت الغمامة إلى رأس الخليع . وهذا يعرفك أنّ الله تعالى إنّما يريد من العبيد قلوبهم ، فالجاهل العاصي إذا تواضع وذلّ هيبة لله وخوفا منه فقد أطاع الله بقلبه فهو أطوع لله من العالم المتكبّر والعابد المعجب ، وكذلك روي أنّ رجلا في بني إسرائيل أتى عابدا من بني إسرائيل فوطئ على رقبته وهو ساجد فقال له : إرفع فوالله لا يغفر الله لك ، فأوحى إليه أيّها المتآلي عليّ بل أنت لا يغفر الله لك ، ولذلك قيل : وحتّى أنّ صاحب الصوف أشدّ كبرا من صاحب المطرف الخزّ أي أنّ صاحب الخزّ يذلّ لصاحب الصّوف ويرى الفضل له وصاحب الصوف يرى الفضل
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 239
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٣٩
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم ج 8 ص 36 من حديث أبي هريرة .