تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 238

مساهمون:

ص٢٣٨

قرأنا القرآن فمن أقرأ منّا ومن أعلم منّا ، ثمّ التفت إلى أصحابه فقال : أولئك منكم أيّها الأمّة ، أولئك هم وقود النّار » ( 1 ) ولذلك قيل : « لا تكونوا جبابرة العلماء فلا يفي علمكم بجهلكم . وصلَّى حذيفة بقوم فلمّا سلَّم قال : لتلتمسنّ إماما غيري أو لتصلَّنّ وحدانا إنّي رأيت في نفسي أنّه ليس في القوم أفضل منّي . فإذا كان مثله لا يسلم فكيف يسلم الضعفاء من متأخّري هذه الأمّة فما أعزّ على بسيط الأرض عالم يستحقّ أن يقال : إنّه عالم ، ثمّ إنّه لا يحرّكه عزّ العلم وخيلاؤه فإن وجد ذلك فهو صدّيق زمانه ، فلا ينبغي أن يفارق بل يكون النظر إليه عبادة فضلا عن الاستفادة من أنفاسه وأحواله ، لو عرفنا ذلك ولو في أقصى الصّين لسعينا إليه رجاء أن تشملنا بركته وتسري إلينا سيرته وسجيّته وهيهات فأنّى يسمح آخر الزّمان بمثلهم فهم أرباب الإقبال وأصحاب الدّول وقد انقرضوا في القرن الأوّل ومن يليهم بل يعزّ في زماننا عالم يختلج في نفسه الأسف والحزن على فوات هذه الخصلة ، فذلك أيضا إمّا معدوم وإمّا عزيز ولولا بشارة رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم بقوله : « سيأتي زمان على الناس من تمسّك بعشر ما أنتم عليه نجا » ( 2 ) لكان جديرا بنا أن نقتحم - والعياذ بالله - ورطة اليأس والقنوط مع ما نحن عليه من سوء أعمالنا ومن أين لنا أيضا بالتمسّك بعشر ما كانوا عليه وليتنا تمسّكنا بعشر عشره ، فنسأل الله تعالى أن يعاملنا بما هو أهله وأن يستر علينا قبائح أعمالنا كما يقتضيه فضله وكرمه . الثّاني العمل والعبادة وليس يخلو عن رذيلة العزّ والكبر واستمالة قلوب الناس الزّهّاد والعبّاد ويترشّح الكبر منهم في الدّنيا والدّين أمّا الدّنيا فهو أنّهم يرون غيرهم بزيارتهم أولى من أنفسهم بزيارة غيرهم ويتوقّعون قيام الناس بقضاء حوائجهم وتوقيرهم والتوسّع لهم في المجالس وذكرهم بالورع والتقوى وتقديمهم على سائر الناس في الحظوظ إلى جميع ما ذكرناه في حقّ العلماء وكأنّهم يرون

هامش
( 1 ) أخرجه ابن المبارك في الزهد والرقائق كما في المغني .
( 2 ) أخرجه أحمد في المسند ج 5 ص 155 من حديث رجل من أبي ذر .