الحالة الرّابعة وهي الصدق في العبادة أن يكره المدح ويمقت المادح إذ يعلم أنّه فتنة عليه قاصمة للظهر مضرّ له في الدّين ويحبّ الذّامّ إذ يعلم أنّه مهد إليه عيوبه ومرشد له إلى مهمّه ومهد إليه حسناته ، وقد قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « رأس التواضع أن تكره أن تذكر بالبرّ والتقوى » ( 1 ) وقد روي في بعض الأخبار ما هو قاصم لظهور أمثالنا إن صحّ إذ روي أنّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قال : « ويل للصائم وويل للقائم ، وويل لصاحب الصوف إلا من . . . فقيل : يا رسول اللَّه إلا من ؟ فقال : إلا من تنزّهت نفسه عن الدّنيا وأبغض المدحة واستحبّ المذمّة » [ 1 ] وهذا شديد جدّا ، وغاية أمثالنا الطمع في الحالة الثانية ، وهو أن يضمر الفرح والكراهة على الذّامّ والمادح ولا يظهره بالقول والعمل . فأمّا الحالة الثالثة وهي التسوية بين المادح والذّامّ فلسنا نطمع فيها ، ثمّ إن طالبنا نفسنا بعلامة الحالة الثانية ما وفت بها لأنّها لا بدّ وأن نتسارع إلى إكرام المادح وقضاء حاجاته ونتثاقل عن إكرام الذّامّ والثناء عليه وقضاء حوائجه ولا نقدر على أن نسوّي بينهما في الفعل الظاهر كما لا نقدر عليه في سريرة القلب ومن قدر على التسوية بين المادح والذّامّ في ظاهر الفعل فهو جدير بأن يتّخذ قدوة في هذا الزّمان إن وجد فهو الكبريت الأحمر يتحدّث به ولا يرى ، فكيف بما بعده من المرتبتين ، وكلّ واحدة من هذه الرّتب فيها درجات أمّا الدّرجات في المدح فهو أنّ من الناس من تمنّى المدحة والثناء وانتشار الصيت فيتوصّل إلى نيلها بكلّ ممكن حتّى يرائي بالعبادات ولا يبالي بمقارفة المحظورات لاستمالة قلوب الناس واستنطاق ألسنتهم بالمدح وهذا من الهالكين . ومنهم من يريد ذلك ويطلبه بالمباحات ولا يطلبه بالعبادات ولا يباشر المحظورات وهذا على شفا جرف هار فانهار به . فإنّ حدود الكلام الَّذي يستميل به القلوب وحدود الأعمال لا يمكنه أن يضبطها فيوشك
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 137
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٣٧
هامش
( 1 ) قال العراقي : لم أجد له أصلا .
[ 1 ] قال العراقي : لم أجده هكذا وذكره صاحب الفردوس من حديث أنس « ويل لمن لبس الصوف فخالف فعله قوله »
ولم يخرجه ولده في مسنده .