أبديّة إذ لا يستحيل الواجب قطَّ جائزا ولا الجائز محالا ولا المحال واجبا وكلّ هذه الأقسام داخلة في معرفة اللَّه تعالى وما يجب له وما يستحيل في صفاته ويجوز في أفعاله ، فالعلم باللَّه تعالى وبصفاته وأفعاله وحكمته في ملكوت السماء والأرض وترتيب الدّنيا والآخرة وما يتعلَّق به هو الكمال الحقيقيّ الَّذي يقرب من يتّصف به من اللَّه تعالى ويبقى كمالا للنفس بعد الموت وتكون هذه المعرفة نورا للعارفين بعد الموت يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربّنا أتمم لنا نورنا أي تكون هذه المعرفة رأس مال يوصل إلى كشف ما لم ينكشف في الدّنيا كما أنّ من معه سراج خفيّ فإنّه يجوز أن يصير ذلك سببا لزيادة النور بسراج آخر يقتبس منه فيكمل النور بذلك النور الخفيّ على سبيل الاستتمام ومن ليس معه أصل السراج فلا مطمع له في ذلك ، فمن ليس معه أصل معرفة اللَّه سبحانه لم يكن له مطمع في هذا النور فيبقى « كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها بل كظلمات في بحر لجّي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض فإذا لا سعادة إلا في معرفة اللَّه تعالى فأمّا ما عدا ذلك من المعارف فمنها ما لا فائدة فيه أصلا كمعرفة الشعر وأنساب العرب وغيرها . ومنها ما له منفعة في الإعانة على معرفة اللَّه كمعرفة لغة العرب والتفسير والفقه والأخبار ، فإنّ معرفة لغة العرب تعين على معرفة تفسير القرآن ، ومعرفة التفسير تعين على معرفة ما في القرآن من كيفيّة العبادات والأعمال الَّتي تفيد تزكية النفس ، ومعرفة طريق تزكية النفس تفيد استعداد النفس لقبول الهداية إلى معرفة اللَّه تعالى كما قال اللَّه عزّ وجلّ : « قد أفلح من زكَّيها » ( 1 ) وقال : « والَّذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا » ( 2 ) فتكون جملة هذه المعارف كالوسائل إلى تحقيق معرفة اللَّه تعالى وإنّما الكمال في معرفة اللَّه ومعرفة صفاته وأفعاله ، وينطوي فيه جميع المعارف المحيطة بالموجودات إذ الموجودات كلَّها من أفعاله فمن عرفها من حيث هي فعل اللَّه ومن حيث ارتباطها بالقدرة والإرادة والحكمة فهي من تكملة معرفة اللَّه تعالى وهذا حكم كمال العلم
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 122
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٢٢
هامش
( 1 ) الشمس : 10 .
( 2 ) العنكبوت : 69 .