فيغوص في فكره بحيث لا يخطر بباله غير حديث محبوبه ، ولو كلَّمه غيره لم يسمع ولو اجتاز واحد بين يديه لكان كأنّه لا يراه ، وإذا تصوّر هذا في خوف من عدوّه وعند الحرص على جاه ومال فكيف لا يتصوّر من خوف النّار والحرص على الجنّة ، ولكن ذلك عزيز لضعف الإيمان باللَّه واليوم الآخر .
فإذا تأمّلت جملة هذه الأقسام وأصناف الوسواس علمت أنّ لكلّ مذهب من المذاهب وجها ولكن في محلّ مخصوص ، وبالجملة فالخلاص من الشيطان في لحظة أو ساعة غير بعيد ، ولكنّ الخلاص منه عمرا طويلا بعيد أو محال ، ولا ينقطع وسوسة عروض الدّنيا ونقدها إلا بالرّمي والمفارقة فما دام يملك شيئا وراء حاجته ولو دينارا واحدا فلا يخلَّيه الشيطان في صلاته عن التفكَّر في ديناره وإنّه كيف يحفظه وفيما ذا ينفقه وكيف يخفيه حتّى لا يعلم به أحد أو كيف يظهره حتّى يتباهى به إلى غير ذلك من الوسواس ، فمن أنشب مخالبه في الدّنيا وطمع في أن يتخلَّص من الشيطان كان كمن انغمس في العسل وظنّ أنّه لا يقع الذّباب عليه وهو محال ، فالدّنيا باب عظيم لوسواس الشيطان وليس له باب واحد بل أبواب .
قال حكيم من الحكماء : الشيطان يأتي ابن آدم من قبل المعاصي ، فإن امتنع أتاه من وجه النصيحة حتّى يلقيه في بدعة ، فإن أبى أمره بالتحرّج والشدّة حتّى يحرم عليه ما ليس بحرام ، فإن أبى شكَّكه في وضوئه وصلاته حتّى يخرجه عن العلم ، فإن أبى خفّف عليه أعمال البرّ حتّى يراه الناس صابرا عفيفا فتميل قلوبهم إليه ويعجب بنفسه وبه يهلكه وعند ذلك تشتدّ الحاجة فإنّها آخر درجة ويعلم أنّه لو جاوزها أفلت منها إلى الجنّة .
* ( بيان سرعة تقلَّب القلب ) *
* ( وانقسام القلوب في التغير والثبات ) *
اعلم أنّ القلب كما ذكرناه تكتنفه الصفات الَّتي ذكرناها وتنصب إليه الآثار والأحوال من الأبواب الَّتي وصفناها فكأنّه هدف يصاب على الدّوام من كلّ جانب
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 81
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٨١