فإذا أصابه شيء ويتأثّر به أصابه من جانب آخر ما يضادّه فيغيّر وصفه ، فإن نزل الشيطان به ودعاه إلى الهوى والتفت القلب إليه نزل الملك به وصرفه عنه ، وإن جذبه شيطان إلى شرّ جذبه شيطان آخر إلى غيره ، وإن جذبه ملك إلى خير جذبه ملك آخر إلى غيره ، فتارة يكون متنازعا بين ملكين ، وتارة بين شيطانين ، وتارة بين ملك وشيطان ولا يكون قطَّ مهملا ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : « ونقلَّب أفئدتهم وأبصارهم » ( 1 ) ولاطَّلاع رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم على عظيم صنع اللَّه في عجائب القلب وتقلَّبه كان يحلف به ويقول : « لا ، ومقلَّب القلوب » ( 2 ) . وكان كثيرا مّا يقول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « يا مقلَّب القلوب ثبّت قلبي على دينك . قالوا : أو تخاف يا رسول اللَّه ؟ فقال : وما يؤمنني والقلب بين إصبعين من أصابع الرّحمن يقلَّبه كيف يشاء » وفي لفظ آخر « إن شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه » ( 3 ) . وضرب له رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ثلاثة أمثلة فقال : « مثل القلب مثل العصفور يتقلَّب في كلّ ساعة » ( 4 ) . وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « مثل القلب في تقلَّبه كالقدر إذا استجمعت غليانا » ( 5 ) . وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « مثل القلب كمثل ريشة في أرض فلاة تقلَّبها الرّياح ظهرا لبطن » ( 6 ) . وهذه التقليبات من عجيب صنع اللَّه ، وعجائب صنع اللَّه في تقلَّبها من حيث
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 82
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٨٢
هامش
( 1 ) الانعام : 110 .
( 2 ) أخرجه البخاري ج 8 ص 160 من حديث ابن عمر وأخرجه ابن ماجة تحت رقم 2092 عن سالم عن أبيه وفيه « لا ومصرف القلوب » .
( 3 ) أخرجه ابن ماجة تحت رقم 199 . والحاكم ج 1 ص 526 وج 4 ص 321 . . وقد مر ، وقوله : « أقامه » أي على الحق ، و « أزاغه » أي عن الحق .
( 4 ) أخرجه الحاكم في المستدرك ج 4 ص 307 وقال : صحيح على شرط مسلم .
( 5 ) أخرجه أحمد ج 6 ص 4 من حديث المقداد وفيه « أجمعت غليا » .
( 6 ) أخرجه ابن ماجة تحت رقم 88 ، والطبراني في الكبير والبيهقي في الشعب من حديث أبي موسى الأشعري .