تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤

ليستفتي منه ويستكشف وجه الصواب فيه فيكون العقل قد ألف خدمة الهوى وأنس به واستمرّ على استنباط الحيل له في موافقة الهوى ومساعدته فتسوّل النفس له وتساعد عليه فينشرح الصدر بالهوى وتنبسط فيه ظلماته لانخناس جند العقل عن مدافعته فيقوى سلطان الشيطان لاتّساع مكانه بسبب انتشار الهوى فيقبل عليه بالتزيين والغرور والأماني ويوحي بذلك زخرفا من القول غرورا فيضعف سلطان الإيمان بالوعد والوعيد ويخبو نور اليقين بخوف الآخرة إذ يتصاعد عن الهوى دخان مظلم إلى القلب يملأ جوانبه حتّى تنطفئ أنواره فيصير العقل كالعين الَّتي ملأ الدّخان أجفانها فلا يقدر على أن تنظر ، وهكذا تفعل غلبة الشهوة بالقلب حتّى لا يبقى للقلب إمكان التوقّف والاستبصار ولو بصّره واعظ وأسمعه ما هو الحقّ فيه عمى عن الفهم وصمّ عن السمع وهاجت الشهوة ونشط الشيطان وتحرّكت الجوارح على وفق الهوى وظهرت المعصية إلى عالم الشهادة من خزائن الغيب بقضاء من اللَّه وقدره وإلى مثل هذا القلب الإشارة بقوله تعالى : « أرأيت من اتّخذ إلهه هواه - إلى آخر الآيتين - » ( 1 ) وبقوله عزّ وجلّ : « لقد حقّ القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون » ( 2 ) وبقوله تعالى : « سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ( 3 ) » [ وربّ قلب هذا حاله بالإضافة إلى الشهوات ] وربّ قلب هذا حاله بالإضافة إلى بعض الشهوات كالَّذي يتورّع عن بعض الأشياء ولكنّه إذا رأى وجها حسنا لم يملك عينه وقلبه وطاش عقله وسقط مساك قلبه ، أو كالَّذي لا يملك نفسه فيما فيه الجاه والرّئاسة والكبر ولا يبقى معه مسكة للتثبّت عند ظهور أسبابه أو كالَّذي لا يملك نفسه عند الغضب مهما استحقر أو ذكر عيب من عيوبه ، أو كالَّذي لا يملك نفسه عند القدرة على أخذ درهم أو دينار بل يتهالك عليه تهالك الواله المستهتر فينسى فيه المروّة والتقوى وكلّ ذلك لتصاعد دخان الهوى إلى القلب حتّى يظلم وتنطفئ منه أنواره البصيرة فينطفئ منه نور الحياء والمروّة والإيمان ويسعى في تحصيل مراد الشيطان . القلب الثالث قلب تبدو فيه خواطر الهوى فتدعوه إلى الشرّ فيلحقه خاطر

هامش
( 1 ) الفرقان : 43 .
( 2 ) سورة يس : 7 .
( 3 ) يس : 10 .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 84 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري