أحدهما جسم لطيف منبعه تجويف القلب الجسماني وينتشر بواسطة العروق الضّوارب إلى سائر أجزاء البدن ، وجريانها في البدن وفيضان أنوار الحياة والحسّ والسمع والبصر والشمّ منها على أعضائها يضاهي فيضان النور من السراج الَّذي يدار في زويا الدّار فإنّه لا ينتهي إلى جزء من البيت إلا ويستنير به ، فالحياة مثالها النور الحاصل في الحيطان ، والرّوح مثالها السراج وسريان الرّوح وحركتها في الباطن مثاله مثال حركة السراج في جوانب البيت بتحريك محرّكه ، والأطبّاء إذا أطلقوا اسم الرّوح أرادوا به هذا المعنى وهو بخار لطيف أنضجته حرارة القلب ، وليس غرضنا شرحه إذ المتعلَّق به غرض أطبّاء الَّذين يعالجون مرض الأبدان ، فأمّا غرض أطبّاء الدّين المعالجين للقلوب حتّى تنساق إلى جوار ربّ العالمين ، فليس يتعلَّق بشرح هذا الرّوح أصلا ، والمعنى الثاني هو اللَّطيفة الربّانيّة العالمة المدركة من الإنسان وهو الَّذي شرحناه في أحد معنيي القلب وهو الَّذي أراده اللَّه تعالى بقوله : « ويسألونك عن الرّوح قل الرّوح من أمر ربّي » ( 1 ) وهو أمر عجيب ربّانيّ يعجز أكثر العقول والأفهام عن درك كنه حقيقته . اللفظ الثالث النّفس وهذا أيضا مشترك بين معان ، ويتعلَّق بغرضنا منه معنيان أحدهما أنّه يراد به المعنى الجامع لقوّة الغضب والشهوة في الإنسان على ما سيأتي بيانه ، وهذا الاستعمال هو الغالب على الصّوفيّة لأنّهم يريدون بالنفس الأصل الجامع للصّفات المذمومة من الإنسان فيقولون : لابدّ من مجاهدة النفس وكسرها وإليه الإشارة بقوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « أعدى عدوّك نفسك الَّتي بين جنبيك ( 2 ) » المعنى الثاني هو اللَّطيفة الَّتي ذكرناها الَّتي هي الإنسان في الحقيقة ، وهي نفس الإنسان وذاته ولكنّها توصف بأوصاف مختلفة بحسب اختلاف أحوالها فإذا سكنت
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 6
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٦
هامش
( 1 ) الاسراء : 85 .
( 2 ) أخرجه البيهقي في الزهد كما في كنوز الحقائق للمناوي . ورواه قاضى نعمان في دعائم الإسلام من طريق أهل البيت عليهم السلام بلفظ آخر كما في مستدرك الوسائل ج 2 ص 270 .