تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 4

مساهمون:

ص٤

من العبادات أنواره ، وهو العاصي المتمرّد على اللَّه وإنّما السّاري على الأعضاء من الفواحش آثاره ، وباظلامه واستنارته تظهر محاسن الظَّاهر ومساويه إذ كلّ إناء يترشّح بما فيه ، وهو الَّذي إذا عرفه الإنسان فقد عرف نفسه ، وإذا عرف نفسه فقد عرف ربّه ، وهو الَّذي إذا جهله الإنسان فقد جهل نفسه ، وإذا جهل نفسه فقد جهل ربّه ، ومن جهل بقلبه فهو بغيره أجهل ، وأكثر الخلق جاهلون بقلوبهم وأنفسهم وقد حيل بينهم وبين أنفسهم « فإنّ اللَّه يحول بين المرء وقلبه » ، وحيلولته بأن لا يوفّقه لمشاهدته ومراقبته ، ومعرفة صفاته ، وكيفيّة تقلَّبه بين إصبعين من أصابع الرّحمن وإنّه كيف يهوي مرّة إلى أسفل سافلين وينخفض إلى أفق الشّياطين وكيف يرتفع أخرى إلى أعلا علَّيّين ويرتقي إلى عالم الملائكة المقرّبين ومن لم يعرف قلبه ليراقبه ويراعيه ويترصّد ما يلوح من خزائن الملكوت عليه وفيه فهو ممّن قال اللَّه تعالى فيه : « ولا تكونوا كالَّذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون » ( 1 ) . فمعرفة القلب وحقيقة أوصافه أصل الدّين وأساس طريق السّالكين . وإذ قد فرغنا في الشطر الأوّل من هذا الكتاب عن النّظر فيما يجري على الجوارح من العبادات والعادات وهو العلم الظَّاهر ووعدنا أن نشرح في الشّطر الثاني ما يجري على القلوب من الصّفات المهلكات والمنجيات وهو العلم الباطن فلا بدّ وأن نقدّم عليه كتابين كتابا في شرح عجائب صفات القلب وأخلاقه ، وكتابا في كيفية رياضة القلب وتهذيب أخلاقه ، ثمّ نندفع بعد ذلك في تفصيل المهلكات والمنجيات . فنذكر الآن من ذكر شرح عجائب القلب بطريق ضرب الأمثال ما يقرب من الأفهام فإنّ التصريح بعجائبه وأخلاقه وأسراره الدّاخلة في جملة عالم الملكوت ممّا يكلّ عن دركه أكثر الأفهام - وباللَّه التوفيق - . * ( بيان معنى النفس والروح والعقل والقلب وما هو المراد بهذه الأسامي ) * اعلم أنّ هذه أربعة أسامي تستعمل في هذه الأبواب ويقل في فحول العلماء من يحيط بمعرفة هذه الأسامي واختلاف معانيها وحدود مسمّياتها وأكثر الأغاليط

هامش
( 1 ) الحشر : 20 .