بالمعنى والحقيقة والصّفة لا بالمكان والمسافة ، ومراقي هذه الدّرجات هي منازل السّائرين إلى اللَّه تعالى ولا حصر لتلك المنازل وإنّما يعرف كلّ سالك المنزل الَّذي بلغه في سلوكه فيعرفه ويعرف ما خلفه من المنازل ، فأمّا ما بين يديه فلا يحيط بحقيقته علما لكن قد يصدّق به إيمانا بالغيب ، كما أنّا نؤمن بالنبوّة وبالنبيّ ونصدّق بوجود ذلك ولكن لا يعرف حقيقة النبوّة إلا النبيّ ، وكما لا يعرف الجنين حال الطفل ، ولا الطفل حال المميّز ، وما انفتح له من العلوم الضّروريّة ، ولا المميّز حال العاقل ، وما اكتسبه من العلوم النظريّة فلا يعرف عاقل ما انفتح على أولياء اللَّه وأنبيائه من مزايا لطفه ورحمته « ما يفتح اللَّه للنّاس من رحمة فلا ممسك لها » ( 1 ) وهذه الرّحمة مبذولة بحكم الجود والكرم من اللَّه سبحانه غير مضنون بها على أحد ولكن إنّما يظهر للقلوب المتعرّضة لنفحات رحمة اللَّه كما قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « إنّ لربّكم في أيّام دهركم نفحات ألا فتعرّضوا لها » ( 2 ) والتعرّض لها بتطهير القلوب وتزكيتها عن الخبث والكدورة الحاصلة من الأخلاق المذمومة كما سيأتي بيانه ، وإلى هذا الجود الإشارة بقوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « ينزل اللَّه تعالى في كلّ ليلة إلى السماء الدّنيا فيقول : هل من داع فأستجيب له » ( 3 ) وبقوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم حكاية عن ربّه عزّ وجلّ : « لقد طال شوق الأبرار إلى لقائي وأنا إلى لقائهم أشدّ شوقا » [ 1 ] وبقوله عزّ وجلّ : « من تقرّب إليّ شبرا تقرّبت إليه ذراعا » ( 4 ) وكلّ ذلك إشارة إلى أنّ أنوار العلوم لم تحتجب عن القلوب لبخل ومنع من جهة المنعم - تعالى عن البخل والمنع علوّا كبيرا - ولكن حجبت لخبث وكدورة وشغل من جهة القلوب فإنّ القلوب كالأواني
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 15
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٥
هامش
( 1 ) الفاطر : 2 .
( 2 ) أخرجه البخاري ومسلم وقد تقدم . وأخرجه الطبراني عن محمد بن مسلم بسند ضعيف كما في الجامع الصغير .
( 3 ) أخرجه مسلم ج 2 ص 175 من صحيحه . وقد مر الكلام فيه في المجلد الثاني .
( 4 ) أخرجه مسلم ج 8 ص 66 .
[ 1 ] قال العراقي : لم أجد له أصلا إلا أن صاحب الفردوس أخرجه من حديث أبي الدرداء ولم يذكر له ولده في مسند الفردوس اسنادا .