تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 12

مساهمون:

ص١٢

عن إشارة هذا العبد الخبيث بل مستدلا بإشارته على أنّ الصّواب في نقيض رأيه وأدّب صاحب شرطته وأسلمه لوزيره وجعله مؤتمرا له ومسلَّطا من جهته على هذا العبد الخبيث وأتباعه وأنصاره ، حتّى يكون العبد مسوسا لا سائسا ، ومأمورا مدبّرا لا آمرا مدبّرا استقام أمر بلده وانتظم العدل بسبب ذلك ، فكذلك النّفس متى استعانت بالعقل وأدّبت الحميّة الغضبيّة وسلَّطتها على الشّهوة واستعانت بإحديهما على الأخرى تارة بأن يقلَّل مرتبة الغضب وغلوائه بخلابة الشّهوة واستدراجها ، وتارة بقمع الشهوة وقهرها بتسليط الغضب والحميّة عليها وتقبيح مقتضياتها اعتدلت قواها وحسنت أخلاقها ومن عدل عن هذه الطريقة كان كمن قال اللَّه تعالى : « أفرأيت من اتّخذ إلهه هواه وأضلَّه اللَّه على علم » ( 1 ) وقال تعالى : « واتّبع هواه وكان أمره فرطا » ( 2 ) وقال تعالى : « واتّبع هواه فمثله كمثل الكلب » ( 3 ) وقال تعالى : فيمن نهى النّفس عن الهوى « فإنّ الجنّة هي المأوى » ( 4 ) . وسيأتي كيفيّة مجاهدة هذه الجنود وتسليط بعضها على بعض في كتاب رياضة النّفس إن شاء اللَّه . المثال الثاني أنّ البدن كالمدينة والعقل أعني المدرك من الإنسان كملك مدبّر لها ، وقواه المدركة من الحواسّ الظَّاهرة والباطنة كجنوده وأعوانه ، وأعضاؤه كرعيّته ، والنفس الأمّارة بالسّوء الَّتي هي الشّهوة والغضب كعدوّ ينازعه في مملكته ، ويسعى في إهلاك رعيّته ، فصار بدنه كرباط وثغر ، ونفسه كمقيم فيه مرابط ، فإن جاهد عدوّه وهزمه وقهره على ما يحبّ حمد أثره إذا عاد إلى الحضرة كما قال اللَّه تعالى : « فضّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة » ( 5 ) وإن ضيّع ثغره وأهمل رعيّته ذمّ أثره وانتقم منه عند لقاء اللَّه فيقال له يوم القيامة : يا راعي السّوء أكلت اللَّحم ، وشربت اللَّبن ، ولم تردّ الضّالَّة ، ولم تجبر الكسير ، اليوم أنتقم لها منك - كما ورد في الخبر - ( 6 ) وإلى هذه المجاهدة الإشارة بقوله

هامش
( 1 ) الجاثية : 22 .
( 2 ) الكهف : 28 .
( 3 ) الأعراف : 175 .
( 4 ) النازعات : 40 .
( 5 ) النساء : 94 .
( 6 ) قال العراقي : لم أجد له أصلا .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 12 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري