عن إشارة هذا العبد الخبيث بل مستدلا بإشارته على أنّ الصّواب في نقيض رأيه وأدّب صاحب شرطته وأسلمه لوزيره وجعله مؤتمرا له ومسلَّطا من جهته على هذا العبد الخبيث وأتباعه وأنصاره ، حتّى يكون العبد مسوسا لا سائسا ، ومأمورا مدبّرا لا آمرا مدبّرا استقام أمر بلده وانتظم العدل بسبب ذلك ، فكذلك النّفس متى استعانت بالعقل وأدّبت الحميّة الغضبيّة وسلَّطتها على الشّهوة واستعانت بإحديهما على الأخرى تارة بأن يقلَّل مرتبة الغضب وغلوائه بخلابة الشّهوة واستدراجها ، وتارة بقمع الشهوة وقهرها بتسليط الغضب والحميّة عليها وتقبيح مقتضياتها اعتدلت قواها وحسنت أخلاقها ومن عدل عن هذه الطريقة كان كمن قال اللَّه تعالى : « أفرأيت من اتّخذ إلهه هواه وأضلَّه اللَّه على علم » ( 1 ) وقال تعالى : « واتّبع هواه وكان أمره فرطا » ( 2 ) وقال تعالى : « واتّبع هواه فمثله كمثل الكلب » ( 3 ) وقال تعالى : فيمن نهى النّفس عن الهوى « فإنّ الجنّة هي المأوى » ( 4 ) . وسيأتي كيفيّة مجاهدة هذه الجنود وتسليط بعضها على بعض في كتاب رياضة النّفس إن شاء اللَّه . المثال الثاني أنّ البدن كالمدينة والعقل أعني المدرك من الإنسان كملك مدبّر لها ، وقواه المدركة من الحواسّ الظَّاهرة والباطنة كجنوده وأعوانه ، وأعضاؤه كرعيّته ، والنفس الأمّارة بالسّوء الَّتي هي الشّهوة والغضب كعدوّ ينازعه في مملكته ، ويسعى في إهلاك رعيّته ، فصار بدنه كرباط وثغر ، ونفسه كمقيم فيه مرابط ، فإن جاهد عدوّه وهزمه وقهره على ما يحبّ حمد أثره إذا عاد إلى الحضرة كما قال اللَّه تعالى : « فضّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة » ( 5 ) وإن ضيّع ثغره وأهمل رعيّته ذمّ أثره وانتقم منه عند لقاء اللَّه فيقال له يوم القيامة : يا راعي السّوء أكلت اللَّحم ، وشربت اللَّبن ، ولم تردّ الضّالَّة ، ولم تجبر الكسير ، اليوم أنتقم لها منك - كما ورد في الخبر - ( 6 ) وإلى هذه المجاهدة الإشارة بقوله
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 12
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٢
هامش
( 1 ) الجاثية : 22 .
( 2 ) الكهف : 28 .
( 3 ) الأعراف : 175 .
( 4 ) النازعات : 40 .
( 5 ) النساء : 94 .
( 6 ) قال العراقي : لم أجد له أصلا .