تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 14

مساهمون:

ص١٤
إرادة الشّهوة وإرادة الحيوانات ، بل يكون على ضدّ الشّهوة فإنّ الشهوة تنفّر عن الفصد والحجامة والعاقل يريدهما ويطلبهما ويبذل المال عليهما والشّهوة تميل إلى لذائذ الأطعمة في المرض والعاقل يجد في نفسه زاجرا عنها فليس ذلك زاجر الشهوة ولو خلق اللَّه العقل المعرّف لعواقب الأمور ولم يخلق هذا الباعث المحرّك للأعضاء على مقتضى حكم العقل لكان حكم العقل ضايعا على التحقيق . فإذا اختصّ قلب الإنسان بعلوم وإرادات ينفكّ عنها سائر الحيوانات بل ينفكّ عنها الصبيّ في أوّل الفطرة وإنّما يحدث ذلك فيه عند البلوغ وأمّا الشّهوة والغضب والحواسّ الظَّاهرة والباطنة فإنّها موجودة في حال الصّبي . ثمّ للصّبيّ في حصول هذه العلوم فيه درجتان : إحداهما أن يشتمل قلبه على جملة من العلوم الضروريّة الأوّليّة كالعلم باستحالة المستحيلات وجواز الجايزات الظاهرة فيكون العلوم النظريّة فيه غير حاصلة إلا أنّها صارت ممكنة قريبة الإمكان والحصول ، ويكون حاله بالإضافة إلى العلوم كحال الكاتب الَّذي لم يعرف من الكتابة إلا الدّواة والقلم والحروف المفردة دون المركَّبة ، فإنّه قد قارب الكتابة ولم يبلغها بعد . الثانية أن يحصل له العلوم المكتسبة بالتجارب والفكر ويكون كالمخزونة عنده فإذا شاء رجع إليها ، وحاله حال الحاذق بالكتابة إذ يقال له كاتب ، وإن لم يكن مباشرا للكتابة لقدرته عليها وهذه هي غاية درجة الإنسانيّة ، ولكنّ في هذه الدّرجة مراتب لا تحصى ، يتفاوت الخلق فيها بكثرة المعلومات وقلَّتها وبشرف المعلومات وخسّتها وبطريق تحصيلها ، إذ يحصل لبعض القلوب بالهام إلهيّ على سبيل المباداة والمكاشفة ، ولبعضها بتعلَّم واكتساب ، ثمّ قد يكون ذلك سريع الحصول وقد يكون بطيء الحصول ، وفي هذا المقام يتباين منازل العلماء والحكماء والأولياء والأنبياء ودرجات الترقّي فيه غير محصورة إذ معلومات اللَّه تعالى لا نهاية لها وأقصى الرّتب رتبة النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم الَّذي ينكشف له كلّ الحقائق أو أكثرها من غير اكتساب وتكلَّف بل بكشف إلهيّ في أسرع وقت وبهذه السّعادة يقرب العبد من اللَّه قربا
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 14 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري