صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر » ( 1 ) . المثال الثالث مثل العقل مثل فارس متصيّد ، وشهوته كفرسه ، وغضبه ككلبه ، فمتى كان الفارس حاذقا وفرسه مروّضا وكلبه مؤدّبا معلَّما كان جديرا بالنجح ، ومتى كان هو في نفسه أخرق وكان الفرس جموحا ( 2 ) والكلب عقورا فلا فرسه ينبعث تحته منقادا ، ولا كلبه يسترسل بإشارته مطيعا ، فهو خليق بأن يعطب فضلا أن ينال ما طلب ، وإنّما خرق الفارس مثال لجهل الإنسان وقلَّة حكمته وكلال بصيرته ، وجماح الفرس مثال لغلبة الشّهوة عليه خصوصا شهوة البطن والفرج ، وعقر الكلب مثال لغلبة الغضب واستيلائه . بيان خاصية القلب للانسان اعلم أنّ جملة ما ذكرناه قد أنعم اللَّه به على سائر الحيوانات سوى الأدميّ إذ للحيوانات الشهوة والغضب والحواسّ الظَّاهرة والباطنة أيضا حتّى أنّ الشّاة ترى الذئب بعينها وتعلم عداوته بقلبها فتهرب منه فذاك إدراك الباطن . فلنذكر ما يختصّ به قلب الإنسان ولأجله عظم شرفه وقدره واستأهل القرب من اللَّه سبحانه وهو راجع إلى علم وإرادة ، أمّا العلم فهو العلم بالأمور الدّنيويّة والأخرويّة والحقائق العقليّة فإنّ هذه أمور وراء المحسوسات ولا يشارك فيها الحيوانات ، بل العلوم الكلَّيّة الضّروريّة من خواصّ العقل إذ يحكم الإنسان بأنّ الفرس الواحد لا يتصوّر أن يكون في مكانين في حالة واحدة ، وهذا حكم منه على كلّ فرس ، ومعلوم أنّه لم يدرك بالحسّ إلا بعض الأفراس فحكمه على جميع الأفراس زائد على ما أدركه الحسّ ، فإذا فهمت هذا في العلم الظَّاهر الضّروريّ فهو في سائر النظريّات أظهر ، وأمّا الإرادة فهو أنّه إذا أدرك بالعقل عاقبة الأمر وطريق الصّلاح فيه انبعث من ذاته شوق إلى وجه المصلحة وإلى تعاطي أسبابها والإرادة لها وذلك غير
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 13
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٣
هامش
( 1 ) أخرجه البيهقي في الشعب من حديث جابر بسند فيه ضعف . ومن طريق الخاصة رواه الكليني في الكافي ج 5 ص 12 تحت رقم 3 .
( 2 ) الجموح معرب چموش .