تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣

وينهى للسياسة فيصلح ، والمنافق يأمر وينهى للرّياسة فيفسد ، وأولى ما يمتحن به حسن الخلق الصبر على الأذى واحتمال الجفاء ، ومن شكا من سوء خلق غيره فيدلّ ذلك على سوء خلقه لأنّ حسن الخلق احتمال الأذى . فقد روي أنّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم كان يمشي ومعه أنس فأدركه أعرابيّ فجذب . رداءه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم جذبا شديدا وكان عليه برد نجرانيّ غليظ الحاشية ، قال أنس : حتّى نظرت عنق رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قد أثرت فيه حاشية البرد من شدّة جذبه ثمّ قال : يا محمّد هب لي من مال اللَّه الَّذي عندك فالتفت إليه رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فضحك ثمّ أمر له بعطاء » ( 1 ) ولمّا أكثرت قريش إيذاءه وضربه قال : « اللَّهمّ اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون » فلذلك قال اللَّه تعالى : « وإنّك لعلى خلق عظيم » ( 2 ) . وروي « أنّ عليّا عليه السّلام دعا غلاما له فلم يجبه فدعاه ثانيا وثالثا فلم يجبه فقام إليه فرآه مضطجعا فقال : أما تسمع يا غلام ، فقال : نعم قال : فما حملك على ترك جوابي ؟ قال : آمنت عقوبتك فتكاسلت ، فقال : امض فأنت حرّ لوجه اللَّه » ( 3 ) . أقول : ثمّ ذكر أبو حامد حكايات عن الصوفيّة زعم أنّها تدلّ على حسن أخلاقهم بتذليل أنفسهم للناس وقد عرفت من طريق أهل البيت عليهم السّلام أنّ اللَّه لم يأذن لعبده أن يذلّ نفسه ، فلا حاجة بنا إلى نقلها ، وقد ذكرنا في كتاب أخلاق الإمامة وآداب الشيعة من ربع العادات من أخلاق أهل البيت وكلماتهم عليهم السّلام في محاسن الأخلاق وصفات المؤمنين ما فيه بلاغ لقوم عابدين ، وكذا في كتاب آداب الصحبة والمعاشرة من ذلك الرّبع ، وأفعال أهل البيت وأقوالهم عليهم السّلام هي الحجّة والقدوة في كلّ باب ، واللَّه الموفّق .

هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ج 7 ص 189 . من حديث أنس .
( 2 ) القلم : 4 . والخبر أخرجه ابن حبان والبيهقي في الدلائل من حديث سهل بن سعد ( المغني ) .
( 3 ) أورده ابن شهرآشوب في المناقب في فصل حلمه وشفقته عليه السّلام .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 123 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري