تكلَّفا مجاهدا لنفسه فيه حتّى يصير ذلك له طبعا ويتيسّر عليه ، فيصير نفسه جوادا ، وكذلك من أراد أن يحصل لنفسه خلق التواضع وغلب عليه التكبّر فطريقه أن يواظب على أفعال المتواضعين مدّة مديدة ، وهو فيها مجاهد نفسه ومتكلَّف إلى أن يصير ذلك له خلقا وطبعا فيتيسّر عليه ، وجميع الأخلاق المحمودة شرعا تحصل بهذا الطريق وغايتها أن يصير الفعل الصّادر منه لذيذا فالسخيّ هو الَّذي يستلذّ بذل المال دون الَّذي يبذله عن كراهة ، والمتواضع هو الَّذي يستلذّ التواضع ، ولن يترسّخ الأخلاق الدّينيّة في النفس ما لم تتعوّد جميع العادات الحسنة ولم يترك جميع العادات السيّئة ، وما لم يواظب عليها مواظبة من يشتاق معها إلى الأفعال الجميلة ويتنعّم بها ، ويكره الأفعال القبيحة ويتألَّم بها كما قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « جعلت قرّة عيني في الصّلاة » ( 1 ) ومهما كانت العبادات وترك المحظورات مع كراهية واستثقال فهو النقصان ولا ينال كمال السعادة به ، نعم المواظبة عليه بالمجاهدة خير ولكن بالإضافة إلى تركه لا بالإضافة إلى فعله عن طوع ، ولذلك قال تعالى : « إنّها لكبيرة إلا على الخاشعين » ( 2 ) وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « أعبد اللَّه في الرّضا فإن لم تستطع ففي الصبر على ما تكره خير كثير » ( 3 ) . ثمّ لا يكفي في نيل السعادة الموعودة على حسن الخلق استلذاذ الطاعة واستكراه المعصية في زمان دون زمان ، بل ينبغي أن يكون كذلك على الدّوام ، وفي جملة العمر ، وكلَّما كان العمر أطول كانت الفضيلة أرسخ وأكمل ، ولذلك لمّا سئل رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم عن السعادة فقال : « طول العمر في طاعة اللَّه » ( 4 ) ، ولذلك كره الأنبياء والأولياء عليهم السّلام الموت فإنّ الدّنيا مزرعة الآخرة ، كلَّما كانت العبادات أكثر لطول العمر كان الثواب أجزل ، والنفس أزكى وأطهر ، والأخلاق أقوى
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 104
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٠٤
هامش
( 1 ) أخرجه النسائي وأبو داود من حديث أنس وقد تقدم ، وفي الكافي ج 5 ص 321 .
( 2 ) البقرة : 45 .
( 3 ) أخرجه الطبراني كما في المغني .
( 4 ) أخرجه القصاعي في مسند الشهاب وأبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث ابن عمر باسناد ضعيف كما في المغني .