تكون فيه تلك الساعة فدعه الآن فلعلّ تلك الساعة قريب .
ودخل أعرابيّ على سليمان فقال : تكلَّم يا أعرابيّ فقال : يا أمير المؤمنين إنّي مكلَّمك بكلام فاحتمله وإن كرهته فإنّ وراءه ما تحبّ إن قبلته ، قال : يا أعرابيّ إنّا لنجود بالسعة في الاحتمال على من لا نرجو نصحه ولا نأمن غشّه فكيف بمن نأمن غشّه ونرجو نصحه ؟ فقال : يا أمير المؤمنين إنّه تكنّفك رجال قد أساؤا الاختيار لأنفسهم وابتاعوا دنياهم بدينهم ورضاك بسخط ربّهم ، خافوك في اللَّه ولم يخافوا اللَّه فيك ، حرب للآخرة سلم للدّنيا ، فلا تأمنهم على ما ائتمنك اللَّه عليه فإنّهم لن يألوا في الأمانة تضييعا وفي الأمّة خسفا وعسفا وأنت مسؤول عمّا اجترحوا وليسوا مسؤولين عمّا اجترحت ، فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك فإنّ أعظم الناس غبنا من باع آخرته بدنيا غيره ، فقال سليمان : يا أعرابيّ لقد سللت لسانك وهو أقطع من سيفك ، فقال : أجل يا أمير المؤمنين ولكن ذلك لك لا عليك .
وحكي أنّ أبا بكرة دخل على معاوية فقال : اتّق اللَّه يا معاوية واعلم أنّك في كلّ يوم يخرج عنك وفي كلّ ليلة تأتي عليك لا تزداد من الدّنيا إلا بعدا ومن الآخرة إلا قربا وإنّ على إثرك طالبا لا تفوته وقد نصب لك علما لا تجوزه فما أسرع ما يبلغ العلم وما أوشك ما يلحق بك الطالب وإنّا وما نحن فيه زائل وما نحن صائرون إليه باق ، إن خيرا فخير وإن شرا فشرّ .
فهكذا كان دخول أهل العلم على السلاطين أعني علماء الآخرة ، وأمّا علماء الدّنيا فيدخلون ليتقرّبوا إلى قلوبهم فيدلَّونهم على الرّخص ويستنبطون بدقائق الحيل طرق السعة فيما يوافق أغراضهم وإن تكلَّموا بمثل ما ذكرناه في معرض الوعظ لم يكن قصدهم الإصلاح بل اكتساب الجاه والقبول عندهم وفي هذا غرور ان يغترّ بهما الحمقى ، أحدهما أن يظهر أنّ قصدي في الدّخول عليهم إصلاحهم بالوعظ .
وإنّما يلبّسون على أنفسهم بذلك وإنّما الباعث لهم شهوة خفيّة للشهرة وتحصيل المعرفة عندهم ، وعلامة الصدق في طلب الصلاح أنّه لو تولَّى ذلك الوعظ غيره ممّن هو من أقرانه من العلماء ووقع به موقع القبول وظهر به أثر الصلاح فينبغي أن يفرح
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 268
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٦٨