وقال أبو الدّرداء : إنّ تمام التقوى أن يتّقي العبد في مثقال ذرّة حتّى يترك بعض ما يرى أنّه حلال خشية أن يكون حراما فيكون حجابا بينه وبين النّار ، ولهذا كان لبعضهم مائة درهم على واحد دينا فحملها إليه فأخذ تسعة وتسعين وتورّع عن الاستيفاء للجميع خيفة زيادة .
وكان بعضهم يتّجر وكلّ ما يستوفيه يأخذه بنقصان حبّة وما يعطيه يزنه مع زيادة حبّة ليكون ذلك حاجزا من النّار .
ومن هذه الدّرجة ما يتسامح الناس به ، فإنّ ذلك حلال في التقوى ولكن يخاف من فتح بابه أن ينجرّ إلى غيره وتألف النفس الاسترسال وتترك الورع .
ومن ذلك ما روي عن عليّ بن معبد أنّه قال : كنت جالسا في بيت بكر فكتبت كتابا وأردت أن آخذ من تراب حائط لأتربه ثمّ قلت : الحائط ليس لي فقالت لي نفسي : وما قدر تراب من حائط فأخذت من التراب قدر حاجتي فلمّا نمت فإذا بشخص واقف يقول : سيعلم غدا الَّذين يقولون : وما قدر تراب من حائط .
ولعلّ معنى ذلك أنّه يرى كيف يحطَّ منزلته فإنّ للتقوى منزلة تفوت بفوات ورع المتّقين وليس المراد به أنّه يستحقّ عقوبة على فعله .
وقيل : إنّ بعضهم كان عند محتضر فمات ليلا فقال : أطفئوا المصباح فقد حدث للورثة حقّ في الدّهن .
وسئل بعضهم عن رجل يكون في المسجد فيحمل مجمرة لبعض السلاطين يبخّر المسجد بالعود ، فقال : ينبغي أن يخرج من المسجد فإنّه لا ينتفع من العود إلا برائحته . وهذا قد يقارب الحرام فإنّ القدر الَّذي يعبق بثوبه من رائحة الطيب قد يقصد وقد يبخل به ولا يدري أنّه يتسامح به أم لا .
وسئل أيضا عمّن سقط عنه ورقة من أحاديث فهل لمن وجدها أن يكتب منها ثمّ يردّها ؟ فقال : لا ، يستأذن ثمّ يكتب ، وهذا أيضا قد يشكّ في أنّ صاحبه يرضى به أم لا ، فما هو في محلّ الشكّ والأصل تحريمه فهو حرام وتركه من الدّرجة الأولى .
ومن ذلك التورّع عن الزّينة فإنّه يخاف منها أن تدعو إلى غيرها وإن كانت
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 214
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢١٤