من كسبه ويجوع وينفق في سبيل الدّين ولا يمسك والمأذون بالكسب من كان بنفسه مكتسبا وبقلبه متوكَّلا ، وإن كثر المال عنده قام فيه كالأمين عالما بأنّ كون ذلك وفوته سواء وإن أمسك أمسك للَّه وإن أنفق أنفق فيما أمره اللَّه عزّ وجلّ ويكون منعه وعطاؤه في اللَّه » . قال أبو حامد : « السادس أن لا يقتصر على اجتناب الحرام بل يتّقي مواضع الشبهة ومظانّ الرّيب ، ولا ينظر إلى الفتاوي بل يستفتي قلبه فما وجد فيه حزازة اجتنبه [ 1 ] وإذا حمل إليه سلعة رابه أمرها سأل عنها حتّى يعرفها وإلا أكل الشبهة ، وسنبيّن في كتاب الحلال والحرام موضع وجوب هذا السؤال وإنّما الواجب على التاجر أن ينظر إلى من يعامله فكلّ منسوب إلى ظلم أو خيانة أو سرقة أو ربا فلا يعامله ، وكذا الأجناد والظلمة لا يعاملهم البتّة ولا يعامل أصحابهم وأعوانهم لأنّه يكون معينا بذلك على الظلم . وفي الخبر « من دعا لظالم بالبقاء فقد أحبّ أن يعصى اللَّه » [ 2 ] . وفي خبر آخر « من أكرم فاسقا فقد أعان على هدم الإسلام » ( 1 ) . وبالجملة فينبغي أن ينقسم الناس عنده إلى من يعامل وإلى من لا يعامل وليكن من يعامله أقلّ ممّن لا يعامله في هذا الزمان . قال بعضهم : أتى على الناس زمان كان الرّجل يدخل السوق فيقول : من ترون لي أن أعامل من الناس ؟ فيقال : عامل من شئت ثمّ أتى زمان آخر يقال : عامل من شئت إلا فلانا وفلانا ، ثمّ أتى وقت آخر كان يقال : لا تعامل أحدا إلا فلانا وفلانا ، وأخشى أن يأتي زمان يذهب هذا أيضا وكأنّه قد كان الَّذي يخاف أن يكون إنّا للَّه وإنّا إليه راجعون .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 199
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٩٩
هامش
( 1 ) ما عثرت عليه في أصل .
[ 1 ] الحزازة بالحاء المهملة والزاي وجع في القلب من غيظ ونحوه .
[ 2 ] قال العراقي : لم أجده مرفوعا وانما رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الصمت من قول الحسن وقد ذكره أبو حامد هكذا على الصواب في آفات اللسان .