تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة مقدمة 10

مساهمون:

صمقدمة ١٠
فيوجرون من حيث لا يضرّهم . واشترط في صحّة التوكَّل إذا كان الإنسان منفردا أن يصيب يقينا بالموت إن لم يأت رزقه ، علما بأنّ رزقه الموت والجوع ، وقال : وهذا وإن كان نقصانا في الدنيا فهو زيادة له في الآخرة ، فيرى أنّه سيق إليه من خير الرازقين له وهو رزق الآخرة ، وأنّ هذا هو المرض الَّذي يموت به ، فيكون راضيا بذلك وأنّه كذا قضى وقدّر فبهذا يتمّ التوكَّل . وقال : كان أبو تراب النخشبي نظر إلى صوفيّ مدّ يده إلى قشر بطَّيخ ليأكله بعد ثلاثة أيّام ، فقال له : لا يصلح لك التصوّف ألزم السوق . أي لا تصوّف إلا مع التوكَّل ولا يصحّ التوكَّل إلا لمن يصبر على الطعام أكثر من ثلاثة أيّام . وقال : قال أبو عليّ الروذباري : إذا قال الفقير بعد خمسة أيّام : أنا جائع فألزموه السوق ومروه بالعمل والكسب فإذن بدنه عياله وتوكَّله فيما يضرّ ببدنه كتوكَّله في عياله ، وقال : قد انكشف لك من هذا أنّ التوكَّل ليس انقطاعا عن الأسباب بل الاعتماد على الصبر على الجوع مدّة والرضا بالموت إن تأخّر الرزق نادرا وملازمة البلاد والأمصار أو البوادي الَّتي لا تخلو عن حشيش وكلّ ذلك من الأسباب إلا أنّ الناس لم يعدّوا تلك أسبابا لضعف إيمانهم وشدّة حرصهم وقلَّة صبرهم على الأذى في الدنيا لأجل الآخرة واستيلاء الجبن على قلوبهم بإساءة الظنّ وطول الأمل . أقول : هذه أقاويل إنسان خبّطه الشيطان من المسّ فقد فنّدها مولانا الفيض - رحمه اللَّه - كما يأتي في بابه . وقال في كتاب الزهد : الاضطرار إن انضمّ إليه الزهد وتصوّر ذلك فهو من أقصى درجات الزهد . وعدّ الزهد في ما يضطرّ إليه الإنسان إذا حصل له والكفّ عنه وعدم تناوله في حالة الاضطرار مع ما له من الاحتياج المبرم إلى ذلك الشيء من أعلى درجات الزهد ، وردّ عليه شيخنا الفيض وقال : الاضطرار المنضمّ إليه الزهد إن تصوّر فليس من الخصال المحمودة بل ولا من شيم العقلاء فضلا عن أن يكون من أقصى درجات الزهد ، فإنّ الجائع المضطرّ إلى الخبز ، الفاقد له لو آتاه اللَّه الخبز عفوا صفوا فتأذّى به فهرب من أخذه
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة مقدمة 10 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري