شرح
الشاتم أن ما يجري بينهما من التشاتم عقوبته تركب البادي لكونه سببا لذلك ، هذا إذا لم يتجاوز المظلوم حده في الجواب ، فإذا تجاوز وتعدى كانا شريكين في الوزر والوبال ، والكلام وارد مورد التغليظ وإلا فالمشتوم ينبغي أن لا يجيب ولا يزيد في الشر ولا تكون عقوبة فعل المشتوم على الشاتم ، إن للشاتم في فعله أيضا نصيبا من حيث كان سببه ، وإلا فكل مأخوذ بفعله ، انتهى .
وأقول : الحاصل أن أثم سباب المتسابين على البادي ، أما إثم ابتدائه فلان السب حرام وفسق لحديث سباب المؤمن فسق ، وقتاله كفر ، وأما إثم سب الراد فلأن البادي هو الحامل له على الرد ، وإن كان منتصرا فلا إثم على المنتصر ، لقوله تعالى : « وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ » الآية ، لكن الصادر منه هو سب يترتب عليه الإثم ، إلا أن الشرع أسقط عنه المؤاخذة ، وجعلها على البادي للعلة المتقدمة ، وإنما أسقطها منه ما لم يتعد فإن تعدى كان هو البادي في القدر الزائد ، والتعدي بالرد قد يكون بالتكرار مثل أن يقول البادي يا كلب ، فيرد عليه مرتين ، وقد يكون بالأفحش كما لو قال له : يا سنور ، فيقول في الرد : يا كلب ، وإنما كان هذا تعديا لأن الرد بمنزلة القصاص ، والقصاص إنما يكون بالمثل ، ثم الراد أسقط حقه على البادي ، ويبقى على البادي حق الله لقدومه على ذلك .
ولا يبعد تخصيص تحمل البادي إثم الراد بما إذا لم يكن الرد كذبا والأول قذفا فإنه إذا كان الرد كذبا مثل أن يقول البادي : يا سارق وهو صادق فيقول الراد : بل أنت سارق وهو كاذب ، أو يكون الأول قذفا مثل أن يقول البادي يا زاني فيقول الراد : بل أنت الزاني ، فالظاهر أن إثم الرد على الراد ، وبالجملة إنما يكون الانتصار إذا كان السب مما تعارف السب به عند التأديب كالأحمق