الآخِرَةِ ولَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا أَلَا وكُونُوا مِنَ الزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا الرَّاغِبِينَ فِي الآخِرَةِ
أَلَا إِنَّ الزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا اتَّخَذُوا الأَرْضَ بِسَاطاً والتُّرَابَ فِرَاشاً والْمَاءَ طِيباً وقُرِّضُوا مِنَ الدُّنْيَا تَقْرِيضاً
شرح
لأجلها ، وشبه كلا منهما بالأب أو بالأم لتأنيثهما أو الآخرة بالأب والدنيا بالأم لنقصها ولمناسبة الآباء العلوية بالأولى والأمهات السفلية بالثانية ، فكان أبناء الدنيا بمنزلة أولاد الزنا لا أب لهم .
" فكونوا من أبناء الآخرة " لبقائها وخلوص لذاتها ، ولكونها صادقة في وعدها " ولا تكونوا من أبناء الدنيا " لفنائها وكذبها وغرورها وكون لذاتها مشوبة بأنواع الآلام ، ثم أشار عليه السلام إلى أن المقصود ليس مجرد رفض الدنيا وترك العمل لها بل مع إزالة حبها من القلب بقوله : " وكونوا من الزاهدين " إلخ .
والبساط فعال بمعنى المفعول ، أي اكتفوا بالأرض عوضا عن الفرش المبسوطة في البيوت مع عدم تيسر البساط إلا من الحرام أو الشبهة أو مطلقا ، والأول أنسب بالجمع بين الأخبار ، وكذا في البواقي وفي الصحاح : البساط ما يبسط وبالفتح الأرض الواسعة " والتراب فراشا " بمعنى المفروش أي عوضا عن الثياب الناعمة المحشوة بالقطن وغيره للنوم عليها ، فإن التراب ألين من سائر أجزاء الأرض " والماء طيبا " فإن الطيب عمدة منفعته رفع الروائح الكريهة وهو يتحقق بالغسل بالماء ، وما قيل : من أن المراد التلذذ بشرب الماء بدلا من الأشربة اللذيذة لأن أصل الطيب اللذة كما في القاموس فهو بعيد .
" وقرضوا من الدنيا تقريضا " على بناء المفعول من القرض بمعنى القطع ، وبناء التفعيل للمبالغة وقيل : بمعنى التجاوز من قرضت الوادي إذا جزته ، أو بمعنى العدول من قرضت المكان إذا عدلت منه ، وفي النهج ، ثم قرضوا الدنيا قرضا .