إِنَّ اللَّه تَبَارَكَ وتَعَالَى لَوْ شَاءَ لَعَرَّفَ الْعِبَادَ نَفْسَه ولَكِنْ جَعَلَنَا أَبْوَابَه وصِرَاطَه وسَبِيلَه والْوَجْه الَّذِي يُؤْتَى مِنْه فَمَنْ عَدَلَ عَنْ وَلَايَتِنَا أَوْ فَضَّلَ عَلَيْنَا غَيْرَنَا فَإِنَّهُمْ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ فَلَا سَوَاءٌ مَنِ اعْتَصَمَ النَّاسُ بِه ولَا سَوَاءٌ حَيْثُ ذَهَبَ النَّاسُ إِلَى عُيُونٍ
شرح
أنصارهم أهل الجنة ، وأعداءهم أهل النار ، وهم يعرفون الفريقين في الدنيا بسيماهم ، لا بظواهر أعمالهم وقوله عليه السلام : " ونحن الأعراف الذي لا يعرف الله إلا بسبيل معرفتنا " أراد بالأعراف ما يعرف به الشيء سواء كان ما به المعرفة ذاتا أو صفة من باب تسمية الشيء باسم سببه . أما قوله : ونحن الأعراف يعرفنا الله ، فأراد بالأعراف هاهنا نفس المعروف بالذات ، كما يطلق العلم على الصورة العلمية ، وهي المعلومة بالذات فإنه تعالى بهم يعرف أمتهم وأتباعهم إلى آخر ما حققه ولا نطيل الكلام بإيراده .
قوله عليه السلام : " ولكن جعلنا أبوابه " أي أبواب معرفته وعلمه " وصراطه " الذي يعرف طريق عبادته " وسبيله " الذي به يعرف الوصول إلى قربه وجنته ، والحاصل أنه تعالى كان قادرا على أن يعرف العباد جميع ذلك بنفسه ، لكن كانت المصلحة مقتضية لأن يجعلنا وسيلة فيها " ولا سواء " أي ليس بمستو من اعتصم الناس أي المخالفون به ولا سواء من اعتصمهم به ، نظير قوله تعالى : « وَما يَسْتَوِي الأَحْياءُ وَلَا الأَمْواتُ » ( 1 ) وفيه مبالغة في نفي التساوي ، أو الثاني تكرار للأول والشق الآخر محذوف فيهما ، أي لا سواء من اعتصموا به ومن اعتصمتم به ، ولا يستوي صنع الناس وصنعكم ( 2 ) في الاعتصام .
أقول : ويحتمل أن يكون المراد بالناس جميعهم من المحقين والمبطلين ، وكذا من اعتصموا به ، أي ليس الذين يعتصم الناس بهم متساوين ، ولا سواء المعتصمون بهم أو ما ينتفعون به منهم .
وفيه : أنه لا بد من حمل الناس ثانيا على المخالفين ، وكونه في كل من الموضعين بمعنى آخر بعيد ، ثم بين عليه السلام عدم المساواة على الوجوه كلها
فقال : " حيث ذهب الناس
هامش
( 1 ) سورة فاطر : 22 .
( 2 ) وفي بعض النسخ « منع الناس ومنعكم » والظاهر هو المختار .