من مجرّد أصل الوجود وصِرفه إلى الايمان بالوجود الأزلي الواجب بالذات أي
وجود الله تعالى وكمالاته ، ( 1 ) يتوقف على بيان المقدمات الآتية :
المقدمة الأولى : اننا ننتزع من جميع ما نشاهده من الأشياء التي لها وجود
وواقعية عينية ، مفهومين متغايرين : أحدهما مختص بذلك الشيء والآخر
مشترك بينه وبين غيره من الأشياء ، فالانسان مثلا كشئ له واقعية ووجود
خارجي ، ينتزع ذهننا منه مفهوماً يخصّه وهو انسانيته وماهيته ، وهو مفهوم
لا يشاركه فيه غيره ، فالانسان وحده هو الانسان ، والمفهوم الآخر الذي
ينتزعه الذهن هو وجوده الذي يشترك فيه مع غيره ، فكما ان الانسان موجود ،
فكذلك الشجر والجبل والماء وغيرها من الأشياء موجودة أيضاً ، ولا يمكن
القول : بأن كلا المفهومين المنتزعين : مفهوم الانسان ومفهوم الوجود اعتباري ،
وليس لواحد منهما أيّ أصالة وواقعية عينية ، لان هذا ضرب من السفسطة
وانكار للواقعية ، وبطلان هذا الانكار بديهي ، ولا يمكن أيضاً القول : بان كلا
المفهومين أصيل وله عينيّة ؛ إذ يلزم من ذلك ان يكون لكل موجود خارجي
- له ماهيته المخصوصة - واقعيتان ، وبطلان ذلك واضح أيضاً ، وعليه لابد أن
تكون لأحد هذين المفهومين أصالة وتحقق خارجي وواقعية عينية ومنشأية
للآثار ، والمفهوم الآخر اعتباري منتزع من الأصيل والعيني ، وهنا وقع الخلاف
بين الفلاسفة في القرون المتأخرة بشأن الأصيل والاعتباري من هذين
هامش
1 - " يا من دلّ على ذاته بذاته " ؛ دعاء الصباح .
" بك استدل عليك ، فاهدني بنورك إليك " ؛ دعاء الإمام الحسين ( عليه السلام ) في يوم عرفة .
" ولا تدرك معرفة الله الاّ بالله " ؛ توحيد الصدوق ، الباب 11 ، ح 7