قوله تعالى :
فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ
الخطاب للإنسان باعتبار الجنس ، وقيل للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والمراد غيره ، و « ما » استفهامية توبيخية ، و
« بِالدِّينِ »
متعلق بيكذّبك ، والدين الجزاء والمعنى - على ما قيل - ما الذي يجعلك مكذّبا بالجزاء يوم القيامة بعد ما جعلنا الإنسان طائفتين طائفة مردودة إلى أسفل سافلين وطائفة مأجورة اجرا غير ممنون .
وقوله :
أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ
الاستفهام للتقرير وكونه تعالى أحكم الحاكمين هو كونه فوق كل حاكم في إتقان الحكم وحقيته ونفوذه من غير اضطراب ووهن وبطلان فهو تعالى يحكم في خلقه وتدبيره بما من الواجب في الحكمة أن يحكم به الناس من حيث الإتقان والحسن والنفوذ وإذا كان اللّه تعالى أحكم الحاكمين والناس طائفتان مختلفتان اعتقادا وعملا فمن الواجب في الحكمة أن يميّز بينهم بالجزاء في حياتهم الباقية وهو البعث .
فالتفريع في قوله :
« فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ »
من قبيل تفريع النتيجة على الحجة وقوله :
« أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ »
تتميم للحجة المشار إليها بما يتوقف عليه تمامها .
والمحصل أنه إذا كان الناس خلقوا في أحسن تقويم ثم اختلفوا فطائفة خرجت عن تقويمها الأحسن وردت إلى أسفل سافلين وطائفة بقيت في تقويمها الأحسن وعلى فطرتها الأولى واللّه المدبر لأمرهم أحكم الحاكمين ، ومن الواجب في الحكمة أن تختلف الطائفتان جزاء ، فهناك يوم تجزى فيه كل طائفة بما عملت ولا مسوّغ للتكذيب به .