جعل الشيء ذا قوام وقوام الشيء ما يقوم به ويثبت فالإنسان والمراد به الجنس ذو أحسن قوام بحسب الخلقة .
ومعنى كونه ذا أحسن قوام بحسب الخلقة على ما يستفاد من قوله بعد :
« ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ »
الخ ؛ صلوحه بحسب الخلقة للعروج إلى الرفيع الأعلى والفوز بحياة خالدة عند ربه سعيدة لا شقوة معها ، وذلك بما جهّزه اللّه به من العلم النافع ومكّنه منه من العمل الصالح قال تعالى :
وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها
( الشمس / 8 ) فإذا آمن بما علم وزاول صالح العمل رفعه اللّه اليه كما قال :
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ
( فاطر / 10 ) ، وقال :
وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ
( الحج / 37 ) .
وقال :
يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ
( المجادلة / 11 ) وقال :
فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى
( طه / 75 ) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ارتفاع مقام الإنسان وارتقائه بالإيمان والعمل الصالح عطاء من اللّه غير مجذوذ ، وقد سمّاه تعالى أجرا كما يشير اليه قوله الآتي :
« فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ »
.
قوله تعالى :
ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ
ظاهر الرد أن يكون بمعناه المعروف فأسفل منصوب بنزع الخافض ، والمراد بأسفل سافلين مقام منحط هو أسفل من سفل من أهل الشقوة والخسران والمعنى ثم رددنا الإنسان إلى أسفل من سفل من أهل العذاب .
واحتمل أن يكون الرد بمعنى الجعل أي جعلناه أسفل سافلين ، وأن يكون بمعنى التغيير والمعنى ثم غيّرناه حال كونه أسفل جمع سافلين ، والمراد بالسفالة على أي حال الشقاء والعذاب .
قوله تعالى :
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ
أي غير مقطوع استثناء متصل من جنس الإنسان ، وتفريع قوله :
« فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ »
عليه يؤيد كون المراد من رده إلى أسفل سافلين رده إلى الشقاء والعذاب .