وكذا حمل المرسلات والعاصفات على إرادة الرياح وحمل الثلاث الباقيات أو الأخيرتين أو الأخيرة فحسب على ملائكة الوحي إذ لا تناسب ظاهرا بين الرياح وبين ملائكة الوحي حتى يقارن بينها في الأقسام وينظم الجميع في سلك واحد ، وما وجهوه من مختلف التوجيهات معان بعيدة عن الذهن لا ينتقل إليها في مفتتح الكلام من غير تنبيه سابق .
فالوجه هو الغض عن هذه الأقاويل وهي كثيرة جدا لا تكاد تنضبط ، وحمل المذكورات على إرادة ملائكة الوحي كنظيرتها في مفتتح سورة الصافات
وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِراتِ زَجْراً فَالتَّالِياتِ ذِكْراً
وفي معناها قوله تعالى :
عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ
( الجن / 28 ) .
فقوله :
وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً
إقسام منه تعالى بها والعرف بالضم فالسكون الشعر النابت على عنق الفرس ويشبّه به الأمور إذا تتابعت يقال : جاءوا كعرف الفرس ، ويستعار فيقال : جاء القطا عرفا أي متتابعة وجاءوا اليه عرفا واحدا أي متتابعين ، والعرف أيضا المعروف من الأمر والنهي و
« عُرْفاً »
حال بالمعنى الأول مفعول له بالمعنى الثاني ، والارسال خلاف الإمساك ، وتأنيث المرسلات باعتبار الجماعات أو باعتبار الروح التي تنزل بها الملائكة قال تعالى :
يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
( النحل / 2 ) وقال :
يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
( المؤمن / 15 ) .
والمعنى أقسم بالجماعات المرسلات من ملائكة الوحي .
وقيل : المراد بالمرسلات عرفا الرياح المتتابعة المرسلة وقد تقدمت الإشارة إلى ضعفه ، ومثله في الضعف القول بأن المراد بها الأنبياء عليهم السّلام فلا يلائمه ما يتلوها .
قوله تعالى :
فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً
عطف على المرسلات والمراد بالعصف سرعة السير استعارة من عصف الرياح أي سرعة هبوبها إشارة إلى سرعة سيرها إلى ما أرسلت