تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 523

مساهمون:

ص٥٢٣
ووصفت بها النطفة باعتبار اجزائها المختلفة أو اختلاط ماء الذكور والإناث . والابتلاء نقل الشيء من حال إلى حال ومن طور إلى طور كابتلاء الذهب في البوتقة ، وابتلاؤه تعالى الإنسان في خلقه من النطفة هو ما ذكره في مواضع من كلامه انه يخلق النطفة فيجعلها علقة والعلقة مضغة إلى آخر الأطوار التي تتعاقبها حتى ينشئه خلقا آخر . وقوله :
فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً
سياق الآيات وخاصة قوله :
« إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ »
الخ ؛ يفيد أن ذكر جعله سميعا بصيرا للتوسل به في التدبير الربوبي إلى غايته وهي أن يرى آيات اللّه الدالة على المبدإ والمعاد ويسمع كلمة الحق التي تأتيه من جانب ربه بإرسال الرسل وإنزال الكتب فيدعوه البصر والسمع إلى سلوك سبيل الحق والسير في مسير الحياة بالإيمان والعمل الصالح فإن لزم السبيل الذي هدي اليه أداه إلى نعيم الأبد وإلا فإلى عذاب مخلد . وذكر الإنسان في الآية من وضع الظاهر موضع الضمير والنكتة فيه تسجيل أنه تعالى هو خالقه ومدبر أمره . والمعنى : إنا خلقنا الإنسان من نطفة هي أجزاء مختلطة ممتزجة والحال أنّا ننقله من حال إلى حال ومن طور إلى طور فجعلناه سميعا بصيرا ليسمع ما يأتيه من الدعوة الإلهية ، ويبصر الآيات الإلهية الدالة على وحدانيته تعالى والنبوة والمعاد . قوله تعالى :
إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً
الهداية بمعنى إراءة الطريق دون الإيصال إلى المطلوب والمراد بالسبيل السبيل بحقيقة معنى الكلمة وهو المؤدي إلى الغاية المطلوبة وهو سبيل الحق . والشكر استعمال النعمة بإظهار كونها من منعمها وقد تقدم في تفسير قوله تعالى :
وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ
( آل عمران / 144 ) أن حقيقة كون العبد شاكرا للّه كونه مخلصا لربه ، والكفران استعمالها مع ستر كونها من المنعم .